ايوب وغرام رحمة السيد ج٣

دار “ظافر” حول نفسه بكمدٍ دفين مكبوت، يشعر أن داخله يغلي ويغلي حتى يكاد ينفجر، مسح على وجهه وخصلات شعره وهو يلتقط نفسًا عميقًا، ثم أطلق تأوه عميق يغلب عليه وجعه وغضبه:
-أعمل إيه.. أعمل إييييه، أوصلهم ازاي.
عض على كف يده بعنف يُخرج الطاقة السلبية المشحونة بين خلاياه ويُنفس قليلًا عن غضبه المستعر، فاقتربت ليلى منه حتى وقفت أمامه، ووجدت نفسه ترفع يديها مُحيطة وجهه بكفيها الناعمين، هامسة برقة:
-هتلاجيهم وهياخدوا العقاب اللي يستحجوه، سواء في الدنيا او في الاخرة، وچدي سالم هيبجى كويس صدجني، أهم حاچة خليك واثق في ربنا بس.
أحاط يدها بيده يتحسسها بعفوية حانية، ممتنًا للدعم والدفء الذي يتلقاه منها في أسوء أوقاته، وارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة متعبة ولكنها صافية وهو يهز رأسه مؤكدًا على كلامها.
****
كانت “غرام” بين أحضان أيوب الدافئة تتوسط صدره الصلب تنعم بالدفء الذي يغمرها بين ذراعيه، بينما هو يحيطها بذراعه مشددًا على خصرها بتملك ويده تداعب منابت شعرها في حركة عفوية، ابتسمت ببطء ووجهها يتورد خجلًا وحبًا لهذا الرجل… نعم هي تعشقه، تعشقه بجلافته وقسوته المغيظة أحيانًا.
إتسعت ابتسامتها حين رسى طوفان أفكارها المشعثة فوق هذا الاعتراف المجلجل بين ضلوعها !
تعشقه وتريد أن تعوضه عن كل سوء رآه بحياته، أن تكون له الأسرة التي حُرم منها..
امتدت يدها تلقائيًا تتحسس بطنها بشرود، ثم همست قاطعة الصمت:
-بتحب الأطفال؟
تجمدت حركة يده وشعرت بجسده كله يتصلب، ففسرت سؤالها بآخر:
-يعني هتعمل إيه لو عرفت إني حامل؟
ازداد تحجر جسده أضعافًا ثم اعتدل في جلسته يمسكها من ذراعيها متسائلًا بخشونة:
-أنتي حامل؟
هزت رأسها نافية بشيء من التوتر بينما عينيها تدقق النظر لتلك الزوبعة المتصاعدة في سوداوتيه التي عادت لظلامها مجددًا؛ وكأنها مَن أحيته بسؤالها !
ثم تابعت بحروف متلكئة:
-أنا بجول لو، مچرد سؤال.
نهض أيوب من الفراش بملامح مقتضبة دون أن يتفوه بالمزيد، وكاد يخرج من الغرفة، ولكن غرام سارعت بالتحرك خلفه، ثم أوقفته ممسكة بذراعه، وسألته مستنكرة:
-إيه في ؟
نظر لها بملامح جامدة وعينين قاحلتين ميتتين، ثم قال بصوت خاوي:
-أنا مش عايز أطفال.
أجفلت ملامحها وشعرت أنه بعدما رفعها لسابع سما، الآن أسقطها بجملته لأسفل سافلين حتى أحست بتهشم كُلها !



