سليم الشهاوي وورد البدراوي ج٢

بعد اتناشر يوم، حصلت حاجة قلبت الموازين، وبدأت بحادث محدش كان متوقعه.
كان يوم الخميس.
الشغل في عزبة الشهاوي كان على آخره. كانوا بيجمعوا المواشي ويجهزوها للترقيم والتطعيم، والعمال بيتنقلوا بين الحظاير طول النهار. التراب مالي المكان، وصوت المواشي مختلط بصوت الرجالة، وكل واحد مشغول بشغله، كأن العزبة كلها خلية نحل مفيهاش دقيقة راحة.
ورد كانت رايحة ناحية حظيرة المواشي، شايلة جردل مية للعمال، لأن الحر كان شديد، والشغل ما بيقفش. وخلال الأسبوعين اللي قضتهم في العزبة، فهمت إن الراجل اللي ينسى يشرب مية كفاية في الحر ده، غالبًا هيغلط قبل ما اليوم يخلص.
كانت في نص الساحة لما سمعت صوت عالي.
صرخة حادة وقصيرة، مش من النوع اللي الرجالة بتطلعه وهما بيتخانقوا أو بينادوا على بعض. كان صوت واحد اتفاجئ بخطر قدامه قبل ما يلحق يستوعب اللي بيحصل.
ورد لفتت بسرعة.
عم عامر وقع!
ثور صغير اتخض من حاجة محدش عرف يحددها، وانفلت من بين المواشي اللي كانوا بيجهزوها. وعم عامر، اللي كان واقف أقرب واحد منه، اتخبط فيه ووقع على الأرض وهو بيحاول يوقفه.
كان عم عامر مرمي على الأرض، ورجله متنية تحته بطريقة تخوّف. والثور لف ورجع ناحيته تاني، واطي راسه ومستعد يهجم عليه من جديد.
محدش كان قريب كفاية يلحقه.
عم عطية كان بينادي من بعيد، وراضي بيجري ناحيتهم، لكنه لسه بعيد.
والثور كان أقرب من أي حد فيهم.
ورد ما فكرتش.
ولما افتكرت اللي حصل بعد كده، ما قدرتش تقول إنها أخدت قرار. مكنش فيه وقت أصلًا إنها تقرر.
كل اللي حصل إن جسمها اتحرك لوحده.
جردل المية طار من إيدها ووقع على الأرض، والمية اتنثرت في كل اتجاه.
وبعدها طلّعت صوت حاد ومفاجئ، صوت هي نفسها ما كانتش تعرف إنها تقدر تطلعه. كان شبه الطريقة اللي أمها كانت بتنادي بيها على الكلاب عشان تبعدها عن السور.
ما كانش صريخ، قد ما كان نداء قوي فيه أمر واضح.
الثور رفع راسه.
الصوت المفاجئ لخبطه، فوقف لحظة متردد.
لحظة واحدة بس، لكنها كانت كفاية.
ورد خطفت طرف حبل كان ملفوف على أقرب عمود، وشدته بقوة وضربت بيه الأرض قدام الثور.
مرة… واتنين.
الثور اتخض، ولف بجسمه بسرعة، وانطلق في الاتجاه التاني، راجع ناحية باقي المواشي، بعيد عن الست اللي ظهرت قدامه فجأة وصوتها أربكه.
وبعدها، ساد الصمت.
صمت تقيل، لدرجة إن ورد حسّت إن ودانها لسه بترن من اللي حصل.
وفجأة، الكل اتحرك في نفس الوقت.
عم عطية وصل لعم عامر الأول، وراضي كان وراه على طول. أما ورد، فنزلت على ركبتها في التراب جنب الراجل الكبير، وبصت لرجله من غير ما تحاول تحركها.
كانت حركتها هادية وسريعة، وعينيها بتراقب أي علامة ممكن تساعدها تفهم حجم الإصابة.
قالت بحزم:
“ماتحركش رجلك يا عم عامر. خليك ثابت لحد ما نجيب الدكتور.”
عم عامر كان باصلها، ووشه شاحب من الوجع، لكن كان فيه حاجة تانية في عينيه غير الألم.
صدمة… يمكن لأنه لسه عايش، ويمكن لأن نفس الست اللي قضى أسبوعين وهو بيحتقرها وبيتعامل معاها باستهانة، كانت أول واحدة جريت تنقذه.
فتح بقه وقال:
“إنتِ…”
ورد قاطعته من غير ما ترفع عينيها عنه:
“بلاش كلام دلوقتي. وفّر نفسك.”
عم عطية وراضي جابوا لوح خشب عريض، وساعدوا بعض بحذر لحد ما قدروا ينقلوا عم عامر بعيد عن الساحة، من غير ما يضغطوا على رجله أكتر من اللازم.
ودخلوه أوضة قريبة من سكن العمال، لحد ما الدكتور يوصل.
ورد فضلت جنبه.
كانت أمها علمتها حاجات كتير من سنين، وهي بتراقبها في مطبخ المطعم، وهي بتتعامل مع الإيدين المجروحة والدراعات المحروقة. ما كانتش دكتورة، لكنها عرفت إن أهم حاجة دلوقتي إنها تمنع رجله من الحركة، وتخفف عنه على قد ما تقدر، لحد ما حد متخصص يشوفه.
طلبت من عم عطية يجيب لها لوحين خشب وقطع قماش نظيفة، وثبّتت رجله بحذر من غير ما تحاول ترجع العضم لمكانه أو تحركها أكتر من اللازم.
وطول الوقت، فضلت تتكلم معاه عن أي حاجة تخطر على بالها، إلا رجله.
حكت له عن ريحة القهوة المظبوطة، وعن مطعم أبوها في إسكندرية، وعن شكل ضوء الشمس وهو داخل من الشباك الساعة أربعة العصر.
أي كلام… المهم إنه ما يفضلش مركز مع الوجع والخوف.
ولما خلصت، كان عم عامر شاحب وبيعرق، وقابض على طرف المرتبة بقوة لدرجة إن صوابعه ابيضّت من شدة الضغط، لكن رجله بقت ثابتة لحد ما الدكتور يوصل.
كان عم عطية واقف عند الباب، ولما شاف اللي ورد عملته، قال بإعجاب:
“والله يا بنتي، تصرفك كان في وقته. لو كنتي اتأخرتي شوية، كان ممكن الثور يرجع عليه تاني.”
ورد ما ردتش. كانت لسه مركزة مع عم عامر، وبتحاول تخليه يفضل هادي.
عم عامر نفسه ما قالش حاجة.
لا في الليلة دي، ولا حتى تاني يوم الصبح، لما ورد جابت له الفطار في الأوضة الصغيرة اللي جنب سكن العمال، واللي نقلوه ليها عشان يرتاح لحد ما رجله تتحسن.
حطّت الصينية قدامه من غير ما تقول كلمة، ولفّت عشان تمشي.
لكن صوته وقفها.
“يا آنسة ورد.”
وقفت ولفّت ناحيته.
كان عم عامر باصلها من على السرير، ورجله متثبتة ومرفوعة على مخدة. وشه لسه شاحب من الوجع، لكن عينيه كانت أهدى من اليوم اللي فات.
قال بصوت هادي ومباشر:
“الثور ده كان هيموتني.”
ردت ورد بهدوء:
“غالبًا، أيوه. مفيش داعي نكدب على نفسنا.”
فضل باصص لها شوية، وبعدها قال:
“مكنش لازم تعملي كده.”
ردت ببساطة:
“لأ، مكنش لازم.”
سكت عم عامر، وفضل يتأملها فترة طويلة.
كان جواه حزن قديم وتقيل، حزن عاش بيه سنين لدرجة إنه بقى جزء من حياته، وما بقاش يعرف يفصل بين اللي حصل زمان وبين الناس اللي قدامه دلوقتي.
وبعد لحظة، قال بصوت اتكسر شوية وهو بينطق الاسم:
“ابني حسن…”
سكت لحظة، وبعدين كمل:
“اتقتل على إيد ناس كانوا شبه أمك.”
نزّل عينيه، قبل ما يرجع يبص لها.
“دي حقيقة، ومقدرش أغيّرها لمجرد إنك أنقذتيني.”
ردت ورد بصوت واطي:
“أنا عارفة. ومش هطلب منك تنسى اللي حصل.”
بلع عم عامر ريقه، وحاول يكمل كلامه.
“بس…”
سكت وخد نفس، وبعدين حاول تاني.
“أنا شايل الحزن ده جوايا بقالي تمن سنين. طول الوقت كنت شايف إن دي الحقيقة الوحيدة اللي تهم. وإنتِ… إنتِ جريتي ناحية ثور كان ممكن يقتلك، عشان تنقذي راجل عجوز ما عملش معاكي حاجة غير إنه أهانك من أول يوم دخلتي فيه العزبة.”
عينيه لمعت بالدموع، والمرة دي ما حاولش يخبيها.
وده لوحده قال لورد أكتر من أي كلام ممكن ينطقه.
كمل بصوت مبحوح:
“ودي حقيقة تانية. وأنا بصراحة مش عارف أقدر أعيش بالحقيقتين دول إزاي.”
بصت له ورد بهدوء، وقالت:
“مش لازم تلاقي إجابة النهارده. كُل فطارك يا عم عامر، الأكل هيبرد.”
حاول عم عامر يضحك، وظهرت ابتسامة صغيرة على وشه. لكن الضحكة اللي خرجت منه كانت مبحوحة، كأنه بقاله سنين طويلة ما ضحكش بجد.
بصلها وقال:
“عامر… ناديني عامر وبس.”
ابتسمت ورد ابتسامة حقيقية، لأول مرة من ليلة العشا اللي أكلت فيها في العزبة.
وقالت:
“حاضر يا عامر.”
وبعدها سابته يكمل فطاره، وخرجت من الأوضة.





