سليم الشهاوي وورد البدراوي ج٤

الرجوع للعزبة كان مختلف عن طريق الذهاب، والسبب كان الأمل.
الأمل بيغيّر إحساسك بالطريق تحت عجلات العربية، وبيخلي نفس المسافة الترابية تحس إنها أقصر، حتى لو الطريق ما نقصش منه شبر واحد.
لكن ورد البدراوي فكّرت نفسها إن الأمل عمره ما كان أمان بالنسبالها، مش بجد.
كل مرة كانت بتسمح لنفسها تتمسك بيه، كان بيحصل شيء يهدّ كل اللي بنته، فقررت إنها ما تستسلمش له بالكامل.
مش دلوقتي على الأقل.
فضل جزء منها مستعد للسقوط اللي اتعودت عليه، وده كان السبب إنها، لما العربية عدّت آخر منعطف قبل بوابة العزبة، وشافت تلات فرسان واقفين مستنيينهم في ضوء الغروب اللي بيختفي، ما اتفاجئتش بالقدر اللي كان المفروض تتفاجئ بيه.
كانوا رجالة فارس المنياوي التلاتة، ووراهم فارس نفسه، راكب حصانه المرة دي بدل ما ييجي بعربية.
إيد سليم الشهاوي راحت ناحية البندقية المسنودة جنب مقعده، بحركة بطيئة ومقصودة.
قال لها:
«خليكي ورايا.»
ردّت ورد:
«لأ.»
بصلها باستغراب، فقالت:
«بقالي ست شهور بسيب الرجالة يقرروا أنا أقف فين وأعمل إيه. خلاص، مش هسمح بده تاني. أيًّا كان اللي جاي، هواجهه بنفسي، وهبص له في عينه.»
حصان فارس اتحرك لقدّام وهما بيقربوا، وسدّ الطريق بدرجة كفاية توصل رسالته، من غير ما يتحول الموضوع لاعتداء صريح.
لحد دلوقتي على الأقل.
قال فارس بنبرة ودودة، وكأن قناع اللطف رجع لمكانه تمامًا:
«أهلًا يا سليم. يا آنسة ورد، سمعت إنكم عملتوا مشوار صغير لبلدة السواقي.»
رد سليم ببرود:
«الأخبار بتنتشر بسرعة.»
قال فارس:
«في بلدة بالحجم ده، كل حاجة بتنتشر بسرعة.»
وبعدين نقل عينيه لورد، والمرة دي ما حاولش حتى يخبي اللي ورا ابتسامته اللطيفة.
قال:
«فهمت إنك بتشجعي ياسر المنشاوي يقول كلام خطير عن تعاملات أبويا التجارية.»
ردّت ورد:
«أنا بشجعه يقول الحقيقة. وفي فرق كبير بين الحقيقة والكلام اللي بتقول عليه خطير، رغم إني فاهمة إن الفرق ده ممكن ما يبقاش واضح بالنسبالك.»
لمعت عيني فارس للحظة بغضب حقيقي، لكنه سرعان ما رجّع قناع الهدوء على وشه.
قال بصوت واطي، شبه رقيق، وده خلّى تهديده أسوأ:
«خلي بالك من نفسك يا آنسة ورد. الشهادة قدام محكمة المنطقة، والإمضا على الإقرارات القانونية، والتدخل في قضايا الأراضي والقانون… دي كلها أمور لازم تفكري فيها كويس.»
مال براسه شوية، وورد حسّت بطنها بتتقبض قبل حتى ما يكمل كلامه؛ لأنها فهمت هو رايح لفين بالضبط.
قال فارس:
«يا ترى حد قالك إن واحدة من أصلك ما عندهاش الحق القانوني إنها تشهد في أغلب المحاكم هنا؟ إنتِ مش حاملة جنسية معترف بيها يا آنسة ورد. مش بموجب القانون اللي بيطبقوه على ناس زيك. ولسه هيفضل الوضع ده سنين طويلة، لو اتغير أصلًا.»
كلامه نزل عليها زي الصفعة.
لأن كلامه كان حقيقي.
ورد كانت عارفة ده، حتى لو عمرها ما وقفت تفكر فيه بوضوح. كانت عارفة الحقيقة دي بنفس الطريقة اللي الواحد بيبقى عارف بيها إن فيه حيطة قدامه، من غير ما يكون خبط فيها بنفسه قبل كده.
الناس من قبيلتها ما كانوش مواطنين معترف بيهم، ومحدش كان متوقع إن ده يتغير قريب، مش بالقوانين اللي كانت موجودة في البلد دي.
وده معناه إن شهادتها، حتى لو كانت الحقيقة كاملة، وحتى لو خاطرت بكل حاجة عشان تجمع أدلتها، ممكن ما يبقاش ليها أي قيمة قدام القاضي.
حسّت إن جسم سليم اتصلّب جنبها.
قال بصوت منخفض وخطير:
«هي مش محتاجة تشهد. ياسر المنشاوي هو اللي هيشهد.»
ابتسم فارس وقال:
«هو فعلًا هيشهد؟»
كانت أبشع ابتسامة شافتها ورد على وش إنسان من وقت طويل.
كمّل فارس:
«راجل غرقان في الديون، وأرضه نفسها وضعها مش مضمون أول ما حد يبدأ يسأل الأسئلة الصح. غريبة إزاي الذاكرة بتضعف لما الواحد يفتكر إيه اللي ممكن يخسره.»
قالت ورد ببرود وثقة:
«إنت هددته.»
رد فارس:
«أنا بس خليته يفهم ظروفه. وفي فرق بين الاتنين. مش إنتِ اللي قلتي الكلام ده بنفسك من أقل من خمس دقايق؟»
لمّ فارس لجام حصانه، وبعدين أضاف:
«وبما إننا بنتكلم بصراحة، فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. ست مش معاها جنسية معترف بيها، وما عندهاش صفة قانونية تخوّلها تدخل في القضايا دي، وعايشة في عزبة راجل في ظروف ممكن ناس تعتبرها غير مناسبة… ممكن تلفت نظر نوع معيّن من المسؤولين. خصوصًا لو الخبر وصل للناس الصح.»
التهديد فضل معلّق في الهوا بينهم، واضح زي التراب اللي مغطي الطريق.
فارس ما بقاش بيهدد شهادتها وبس. كان بيهدد إنه يبلّغ عنها، ويخلّي السلطات تتدخل، ويمكن ياخدوها من المكان غصب عنها.
بندقية سليم ارتفعت شبر صغير قبل ما يسيطر على نفسه. فكه كان مشدود لدرجة إن ورد قدرت تشوف عضلة بتتحرك فيه من شدة الغضب.
قال سليم بصوت بالكاد يتسمع:
«اخرج من أرضي.»
كان صوته واطي لدرجة إن تهديده كان أخوف من أي صريخ.
فارس ابتسم مرة أخيرة، وكأن الكلام ما أثّرش فيه، ولفّ حصانه عشان يمشي.
وقبل ما يبعد، قال من فوق كتفه:
«فكّر كويس يا سليم… فكّر إنت مستعد تخسر إيه عشانها.»
ومشي، ورجالته وراه، والغبار فضل يهدى ببطء حوالين العربية.
ورد فضلت قاعدة من غير حركة، بتبص للفراغ، وحاسة بحاجة باردة وقديمة بتستقر جوا صدرها.
لأن فارس كان عنده حق في حاجة واحدة، والحقيقة دي خوّفتها أكتر من الحريق، وأكتر من اللي حصل في مخزن الغلال، وأكتر من كل المصايب اللي عدّت عليها.
القانون، أيًّا كان القانون الموجود في المكان ده، ومهما كان تطبيقه ضعيف أو ظالم، عمره ما اتعمل عشان يحمي واحدة زيها.
مش بجد، ولا بشكل كامل.
ورد كانت تقدر تجبّر رجل مكسورة لراجل مصاب، وتواجه ثور هائج من غير ما ترمش بعينها.
وكانت تقدر تطبخ لتسعة وعشرين غريبًا، لحد ما ينسوا حذرهم من بعض، ويبدأوا يتعاملوا كأنهم أهل بيت واحد.
لكن ولا حاجة من دول خلتها مواطنة معترف بيها.
ولا حاجة خلتها في أمان.
قال سليم بهدوء من جنبها:
«يا ورد.»
ساعتها بس أدركت إنها بقالها وقت طويل ساكتة.
كمّل سليم:
«مهما عمل، ومهما هدد، مش هسمح لحد ياخدك من الأرض دي.»
همست ورد:
«يمكن ما يكونش عندك سلطة تمنعهم. ده اللي قاله لنا من شوية، وبكل وضوح.»
رد سليم بنبرة قوية ومنخفضة، مليانة إصرار:
«يبقى لازم نتأكد إن الموضوع ده ما يوصلش للمرحلة دي أصلًا. هنخلص الحكاية دي قبل ما يقدر يستخدمها ضدك. ولازم نتحرك أسرع مما هو متوقع.»
بصّت له ورد.
للراجل اللي قضى خمس سنين بيبني حواجز عالية حوالي قلبه، لدرجة إن حتى الحزن ما قدرش يخترقها.
ودلوقتي، وهو قاعد معاها في عربية وقت الغروب، بيوعدها إنه هيخوض معركة مش معركته بالكامل، وهيحارب عشان ست القانون نفسه رافض يعترف بوجودها بشكل كامل.
قالت ورد:
«ماشي.»
لأنها ما كانش عندها رد تاني يستحق يتقال.
وبعدين أضافت بحزم:
«هنسبق خطوته.»
شهادة الحاجة زينب
بعد يومين، راحت ورد البدراوي تدور على الحاجة زينب الشاذلي.
اسم الست العجوز اللي عم عطية ذكره لها وهو بيشاور على الخريطة في مكتب سليم الشهاوي، فضل عالق في دماغها من ساعتها.
ست كبيرة عايشة في منطقة قريبة من النهر، ويمكن تكون فاكرة الحقيقة زي ما حصلت بالضبط.
ولما ورد ركبت حصانها وقطعت الطريق الطويل لحد بلدة المرجان عشان تسأل عنها، دلّتها الحاجة روحية البدري على مكانها من غير تردد.
قضت ورد فترة طويلة من بعد الظهر قاعدة مع الحاجة زينب في بيت صغير، ريحته مليانة أعشاب مجففة وخشب قديم، وفضلت تسمع لها باهتمام.
قالت الحاجة زينب وهي بتتمايل ببطء على كرسي بيصدر صرير مع كل حركة:
«أهل أمك اشتغلوا في الأرض الشرقية سنين طويلة، وعاشوا فيها في سلام. لحد ما رجالة السكة الحديد وصلوا، وكانوا عايزين يعدّوا خط القطر من هناك. وساعتها بقى فيه فلوس كتير ممكن تدخل جيب أي حد يقدر يثبت إنه صاحب الأرض بحق.»
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
«أبو فارس المنياوي شاف الفلوس قبل أي حد. حاول يجبر أهل أمك يبيعوا الأرض، لكنهم رفضوا.»
وقفت شوية، وعينيها سرحت في الماضي، كأنها شايفة حاجات ورد عمرها ما شافتها.
وبعدين قالت:
«أبو سليم الشهاوي، الله يرحمه، اتورط في الموضوع لأنه كان جارهم وأرضه كانت على حدود أرضهم. وفي ليلة حصلت مصيبة، واتضرب نار. ومن يومها، وكل واحد بيحكي الحكاية بطريقته، ومحدش قدر يتفق على مين اللي بدأ بإطلاق النار.»
قالت ورد بهدوء:
«سليم مقتنع إن أهل أمي هما اللي قتلوا أبوه، من غير أي سبب.»
هزّت الحاجة زينب راسها بحزن وقالت:
«دي الحكاية اللي الناس فضلت ترددها بعد اللي حصل، لأنها كانت أسهل من الحقيقة. إنما الحقيقة أبشع من كده بكتير، ولو حد دور وراها كويس، هيلاقي إن الغلط كله راجع لأبو فارس، مش لأهل أمك.»
قربت بجسمها شوية، وكملت:
«على حد علمي، أبو فارس دفع فلوس لرجالة عشان يطردوا أهل أمك من أرضهم بالقوة. أبو سليم عرف باللي بيحصل، وركب حصانه وراح يحاول يوقفهم. كان بيتصرف كجار عايز يمنع الخلاف ويصلح بين الطرفين. لكنه لقى نفسه في نص ضرب النار، مع إن دي ما كانتش معركته، ولا كانت معركة أهل أمك أصلًا.»
بلعت ريقها، وبعدين قالت بصوت متأثر:
«أبو سليم مات وهو بيحاول يمنع سرقة الأرض، مش وهو بيحاول يرتكبها.»
ورد فضلت ساكتة تمامًا.
لأن معنى الكلام ده كان أكبر من إنها تستوعبه بسهولة.
سليم قضى خمس عشرة سنة شايل جواه الحكاية دي، وباني حوالي قلبه سور عالي بسببها.
المسافة اللي كان بيحطها بينه وبين أي حد يفكّره بأم ورد، وكل الحذر اللي عاش بيه السنين دي… كل ده كان مبني على حكاية مش حقيقية، أو على الأقل مش الحقيقة كاملة، وده في حد ذاته كان قاسي بما يكفي.
سألت ورد:
«في حد تاني يعرف الكلام ده؟ حد يقدر يقوله قدام سليم أو يشهد بيه في المحكمة؟»
ردّت الحاجة زينب بثبات:
«أنا عارفة الحقيقة، ولو احتاجوا شهادتي هقولها. أنا كبرت في السن، ومبقتش بخاف من اسم عيلة المنياوي زي زمان. خفت من حاجات كتير طول عمري، ومش ناوية أضيّع اللي باقي من عمري وأنا لسه خايفة منهم.»
مدّت ورد إيديها، ومسكت إيد الست العجوز اللي الزمن علّم عليها، وضمتها بين كفّيها.
وقالت ببساطة، لكن بامتنان حقيقي:
«شكرًا ليكي.»
في الليلة نفسها، حكت ورد لسليم كل اللي سمعته، في المطبخ.
المطبخ بقى المكان اللي بيقولوا فيه لبعض الحقيقة، من ساعة الأسبوع الأول الصعب اللي سليم بطل فيه يتعشى معاها في الصالة.
حكت له كل حاجة بوضوح، بنفس الطريقة اللي الحاجة زينب حكتها لها بيها، وفضلت تراقب ملامحه وهي بتتكلم.
شافت اليقين اللي بناه على مدار خمس عشرة سنة بيتفك حتة ورا حتة.
وشافت حزنه بيتغيّر، وكأنه لأول مرة بيكتشف شكل جديد للألم.
ولما خلصت، قال سليم بصوت مبحوح:
«أبويا مات وهو بيحاول يمنع سرقة الأرض… مش وهو بيدافع عن نفسه من ناس سرقوها.»
ردّت ورد برفق:
«دي الحقيقة اللي الحاجة زينب فاكراها. وفي ناس كتير في المنطقة عارفينها، لو سألت الناس الصح بدل ما تسمع بس للناس اللي صوتها أعلى.»
سليم قعد ببطء، وكأن رجليه مبقوش قادرين يشيلوه بنفس الثقة القديمة.
وقال وهو بيبص قدامه:
«أنا قضيت خمس عشرة سنة ببني سور حوالين حكاية طلعت مش حقيقية أصلًا.»
قالت ورد:
«إنت بنيت السور حوالين حكاية حد تاني قالهالك. وده مش زي إنك تكون اخترعت كدبة وصدقتها بنفسك. إنت ما كنتش تعرف الحقيقة.»
رفع عينيه ليها وقال:
«دلوقتي عرفت.»
كانت عينيه مليانة دموع، بشكل عمر ورد ما شافته عليه قبل كده.
سألها بصوت ضعيف:
«أعمل إيه بالحقيقة دي دلوقتي؟»
ردّت ورد:
«تقولها بصوت عالي. للناس اللي محتاجين يسمعوها. زي ما ياسر المنشاوي اضطر يقول الحقيقة، وزي ما أنا طول عمري بحاول أوضح للناس مين كانت أمي فعلًا، بعيد عن الحكايات اللي اتقالت عنها.»
مدّت إيدها ولمست إيده لمسة خفيفة وسريعة.
وبعدين قالت:
«الحقيقة مش هتبقى أخف عليك لو فضلت شايلها لوحدك يا سليم. وأعتقد إن دي أول حاجة أمي علمتهالي بجد.»
سكتوا شوية.
لكن المرة دي، الصمت ما كانش تقيل ولا مليان توتر. كان هادي ومريح، كأن كل واحد فيهم بدأ يفهم التاني بطريقة جديدة.
بعد لحظات، قالت ورد:
«فيه حاجة تانية لازم أحكيهالك.»
بصلها سليم باهتمام، فكملت:
«امبارح وصلت لي رسالة من محامي في مدينة بعيدة، كنت أعرفه من قبل ما أجي هنا. الحاجة روحية كانت بعتت له من شهور، قبل سفري للغرب، وطلبت منه يراجع أوراق خالي الخاصة بالمطعم مرة تانية.»
أخدت نفس طويل، وبعدين قالت:
«المحامي اكتشف غلطة في الإجراءات. غلطة قانونية صغيرة في الطريقة اللي اتسجل بيها نقل ملكية المطعم على إيد خالي حامد.»
سكتت لحظة، وكملت:
«الموضوع مش كبير، ومش معناه إن المطعم هيرجع لي. لكن المحامي شايف إن الغلطة دي ممكن تكون كفاية عشان يطلب مراجعة رسمية وعلنية لكل تفاصيل البيع، قدام محكمة في البلد اللي اتسجلت فيها الملكية.»
سليم فضل باصص لها باهتمام، وبعدين سألها:
«إنتِ عايزة تكملي في الموضوع؟»
ورد فكرت بصدق، بنفس الطريقة اللي أمها علمتها بيها إنها تفكر في أي حاجة تستحق إنها تبذل مجهودها عشانها.
وبعد لحظة، قالت:
«أنا عايزة الحقيقة تتسجل. عايزة حامد يعرف إن فيه حد راجع اللي عمله، واكتشف إن فيه غلطة في اللي كان فاكره محكم، حتى لو الشخص ده بعيد عنه بآلاف الأميال.»
وبعدين هزّت راسها بهدوء وأضافت:
«أما إذا كان ده هيخسره حاجة تانية غير كده، فمش فارق معايا زي الأول. أنا دلوقتي عندي مكان أقف فيه، مكان محدش يقدر يسلبه مني.»
سليم هز راسه ببطء، وكأنه فاهم قصدها تمامًا.
لأنه هو كمان، بطريقته الخاصة، بدأ يتعلم نفس الدرس خلال الأسبوع ده.
يوم المحكمة
ميعاد جلسة المحكمة اتحدد للأسبوع اللي بعده، في محكمة صغيرة بوسط بلدة النخيل.
والخبر انتشر في المنطقة بسرعة، زي ما الأخبار دايمًا بتنتشر. وكل مرة حد يحكيه كان بيزوّد عليه من عنده، لحد ما جه صباح الجلسة ونص أهل البلدة تقريبًا بقوا مصدقين روايات مختلفة تمامًا عن حقيقة الق\ضية.
وقفت ورد البدراوي قدام المحكمة في جو الصبح البارد، ضامة إيديها لبعض بقوة، وبتراقب العربيات اللي جاية من كل اتجاه.
كان عماد واقف جنبها، متكئ على عصاه بدل العكاز، ورجله اتحسنت لدرجة إنه قدر يقف بثبات.
وكان عم عطية موجود، ومعاه نادر، اللي كان ماسك قبعته بين إيديه، وودانه محمرة من التوتر، رغم إن الموضوع ما كانش يخصه بشكل مباشر.
لكن اللي وراهم هو اللي خلّى ورد تحس بغصة في زورها.
حاجة ما كانتش سمحت لنفسها تتوقعها أصلًا.
كان فيه ما يقرب من أربعين شخص من أهل البلدة، عائلات سبق وقعدت معاها على سفرة يوم الأحد، وجم النهارده عشان يقفوا جنبها.
وكانت روحية البدري واقفة وذراعها متشابكة في ذراع عماد.
وكمان عيلة الحاجة فاطمة الدسوقي، اللي كانوا قاطعوها أسبوع صعب، وبعدها رجعوا يعتذروا لها، وجايبين معاهم أولادهم الكبار المرة دي، كأنهم بيحاولوا يعوضوها عن غيابهم.
كل الناس دي جت عشان تقف في ضهر ورد.
مش في ضهر عقد ملكية سليم، ولا عشان الخلاف القانوني على حدود الأرض والتوقيعات المزورة.
جم عشانها هي.
وصل فارس المنياوي ومعاه المحامي بتاعه، وقناع الهدوء واللطف مرسوم على وشه كعادته.
كان بيبتسم بنفس الطريقة المعتادة، لكن كان فيه شدّ واضح حوالين عينيه، حاجة ما كانتش موجودة قبل كده.
أما القاضي، فكان راجل مرهق وحذر اسمه عبد الرحيم، وواضح إنه سمع كل رواية وكل إشاعة اتقالت عن الق\ضية، وبقى نفسه يخلّص من الموضوع كله.
أعلن بدء الجلسة.
وكان ياسر المنشاوي أول واحد يشهد.
في البداية، كان بيرتعش، وصوته ضعيف لدرجة إن اللي قاعدين في الصفوف الأولى بس هما اللي كانوا قادرين يسمعوه.
لكن مع مرور الوقت، بدأ يستعيد ثباته، بنفس الطريقة اللي ورد شافت بيها رجالة خايفة قبل كده، وهم بيجمعوا شجاعتهم خطوة ورا خطوة.
أول جملة صعبة خرجت من بقه أخيرًا، والجزء الأصعب بقى وراهم بدل ما يكون لسه مستنيهم قدام.
حكى ياسر الحقيقة من غير لف ولا دوران: إزاي جده رفض يوقّع على الاتفاق، وإزاي الإمضا اتزوّرت، وإزاي رجالة فارس استغلوا ديونه عشان يحاولوا يشتروا سكوته.
بعده، شهدت الحاجة زينب الشاذلي.
كانت ست كبيرة وضعيفة جسديًا، لكن صوتها كان ثابت، وما تراجعتش عن كلمة واحدة.
وحكت اللي حصل في الليلة اللي مات فيها أبو سليم، ووضحت الحقيقة زي ما عاشتها وسمعتها من شهود كانوا موجودين وقتها.
اللي حصل كان محاولة لسرقة الأرض، وأبو سليم مات وهو بيحاول يمنعها، مش وهو بيحارب أهل ورد.
بعدها، محامي فارس حس إن الأرض بتتهز من تحت رجليه، زي الأرض اللي بتبدأ تنهار قبل ما تبلع كل اللي واقف عليها.
فقام من مكانه، وقرر يعمل آخر محاولة يائسة.
قال:
«سيادة القاضي، أود أن أذكّر المحكمة بأن جزءًا كبيرًا من الشهادات التي يستند إليها الدفاع قائم على أقوال وتصرفات امرأة لا تتمتع بأي صفة قانونية معترف بها في هذه المنطقة. امرأة تنحدر من قبائل أهل أمها، ولا تحمل جنسية معترفًا بها، كما أن وجودها على الأرض المتنازع عليها يثير تساؤلات ينبغي للمحكمة أن تنظر فيها…»
قاطعه محامي سليم بحدة:
«اعتراض!»
لكن الضرر، حتى لو كان بسيط، كان حصل بالفعل جوه القاعة.
ورد حسّت إن كل العيون اتحولت ناحيتها.
نفس الإحساس القديم اللي كانت بتعرفه كويس؛ إحساس إنها متراقبة باعتبارها مشكلة لازم يتخلصوا منها، مش إنسانة ليها كرامة وحق.
وفجأة، قام عماد من مكانه من غير ما حد يطلب منه.
كان ماسك عصاه، وعمره عدى الستين، والحزن والتعب سايبين علاماتهم على وشه.
وهو نفسه الراجل اللي من شهرين بس، في أول أسبوع لورد في عزبة الشهاوي، وصفها قدام بيته بأنها البنت الغريبة من قبائل أمها، وكأن وجودها في حد ذاته اتهام.
قال عماد بصوت واضح وصل لكل ركن في قاعة المحكمة الصغيرة:
«سيادة القاضي، أنا دفنت ابني من تمان سنين. اتقتل على إيد مجموعة من المغيرين قرب حصن بعيد في الصحراء. وبعد موته، فضلت شايل كره لكل حد شكله يفكرني بالناس اللي قتلوه.»
سكت لحظة، وبعدين كمل:
«وقلت الكلام ده للست دي في وشها، أول أسبوع جت فيه عزبة الشهاوي.»
صوته اتأثر، لكنه أخد نفس وكمل كلامه:
«ورد هي السبب إني واقف النهارده على رجليّ بدل ما أكون أنا كمان مدفون تحت التراب. هي اللي جريت ناحية ثور هائج من غير تردد عشان تنقذني من تحته.»
بص حواليه ببطء، وبعدين قال:
«ما وقفتش لحظة تسأل نفسها هي مديونة لي بإيه، ولا فكرت أنا كنت بعاملها إزاي. مع إني ما عملتش معاها غير القسوة، هي خاطرَت بحياتها عشان تنقذني.»
لفّ بعينيه على الموجودين في القاعة، وكمل بحزم:
«أنا مش عارف القانون بيقول إيه عن حقها في الوقوف هنا، لكن أنا عارف كويس اللي شافته عيني. وعارف إنها إنسانة تستحق الاحترام. وأنا مستعد أقف ورا كل كلمة قلتها قدام المحكمة دي، أو أي محكمة تانية.»
وبعدها رجع قعد مكانه.
ساد الصمت في القاعة، صمت كامل لدرجة إن محدش قدر يتحرك.
وبعدين قامت روحية البدري من مكانها.
وبعدها أفراد عيلة الحاجة فاطمة الدسوقي.
وبدأ واحد ورا التاني، تقريبًا كل شخص سبق وقعد على سفرة ورد يوم الأحد، يقوم واقف في القاعة المزدحمة.
محدش قال كلمة.
كلهم اكتفوا إنهم يقفوا.
كانوا زي سور من الناس العاديين؛ أصحاب أراضي، وأرامل، وشباب شغالين في العزب، كلهم رافضين إن ست واحدة تتحول لمجرد مشكلة في ورقة قانونية أو بند صغير في نصوص القانون.
القاضي عبد الرحيم فضل يبص للموجودين فترة طويلة.
وظهر في عينيه المرهقتين شيء اتغير.
وأخيرًا، قال بنبرة خشنة:
«المحكمة هتقيّم كل شهادة على أساس مضمونها وقيمتها، بغض النظر عن الشخص اللي أدلى بيها.»
القرار صدر بعد تلات أيام.
المحكمة أعلنت إن مستند الملكية مزوّر.
واتأكد إن الأرض الشرقية جزء من ملكية عزبة الشهاوي، لكن بناءً على إصرار سليم نفسه، اتسجل في محضر المحكمة اعتراف رسمي بأن الأرض كانت في الأصل ملك عيلة ورد من ناحية أمها، وإنها اتاخدت منهم في ظروف المحكمة أقرت دلوقتي إنها كانت مخالفة للقانون.
أما ق\ضية التزوير والاحتيال ضد فارس المنياوي، فالإجراءات القانونية فيها هتستمر.
وعلى حسب الكلام اللي وصل لعم عطية من مصادره، محامي فارس بدأ بالفعل يبعد نفسه بهدوء عن الق\ضية كلها، بنفس الطريقة اللي الجرذان بتهرب بيها من سفينة بدأت تغرق.
أما ياسر المنشاوي، فاحتفظ بأرضه، زي ما سليم وعده.
وسليم ما اكتفاش بكده.
راح أبعد من اللي كان مطلوب منه، واتكلم على انفراد مع القاضي عبد الرحيم بخصوص قطعة الأرض الصغيرة اللي ياسر كان خايف يخسرها.
وتأكد إن مفيش حد هيدفع تمن الق\ضية من غير داعي، وإن مفيش خسارة هتحصل لحد إلا لو كانت ضرورية فعلًا بموجب القانون.
في آخر عصر من أيام الق\ضية، وقفت ورد قدام المحكمة.
الشمس كانت دافية على وشها للمرة الأولى من أسابيع، ومن غير ظل الخوف اللي كان ملازمها في كل لحظة.
وحسّت بحاجة ما سمحتش لنفسها تحس بيها بالكامل من وقت طويل جدًا.
حسّت إن الأرض تحت رجليها ثابتة.
أرض تقدر تقف عليها من غير ما تخاف إن حد يسحبها من تحتها.
وأخيرًا، بعد ست شهور كاملة من عدم الأمان، لقت لنفسها مكان ثابت تقف فيه.
الرجوع للبيت
بعد تلات أيام، خرج سليم الشهاوي وورد البدراوي سوا ناحية الأرض الشرقية.
كانوا لوحدهم، والوادي كله حواليهم واخد لون دهبي ناعم تحت أشعة الشمس اللي كانت بتغيب واحدة واحدة.
نزلت ورد من على حصانها بالقرب من المنحنى اللي عند مجرى الميه، نفس المكان اللي أمها كانت رسمته من سنين طويلة بحبر باهت في كتابها القديم.
كان فيه تلات شجرات حور، بالضبط زي ما أمها وصفتهم.
أوراق الشجر كانت بتلمع بلون فضي تحت ضوء المساء.
وقفت ورد فترة طويلة، وحطت إيدها على جذع أقرب شجرة، اللي كان ملمسه خشن، وحسّت بحاجة بتستقر جوا صدرها، إحساس عميق ما كانتش لاقية له كلام يعبّر عنه لسه.
قالت بهدوء:
«هو ده المكان… نفس المكان بالضبط.»
رد سليم وهو بيقف جنبها:
«عارف. أنا جيت هنا الصبح عشان أتأكد بنفسي.»
بصّت له باستغراب وسألته:
«ليه؟»
قال وهو باصص لها:
«لأني كنت عايز أقف هنا وأنا بسألك سؤال.»
قلبها اتلخبط جوا صدرها، وحسّت بمشاعر كتير متداخلة مش عارفة تفسرها.
قالت بثبات، رغم إن صوتها كان عايز يرتعش:
«اسأل.»
سليم مد إيده جوه معطفه، وطلع حاجة صغيرة ملفوفة في قطعة قماش.
فتحها بحرص، وورد حبست أنفاسها لما شافت اللي جواها.
كانت قطعة نسيج منسوجة، ألوانها باهتة وواضح إن عمرها طويل. النقوش اللي عليها كانت زمان زاهية، لكن السنين خففت ألوانها، من غير ما تمحي جمالها.
قال سليم:
«الحاجة زينب هي اللي ادتهالي. قالت إن القطعة دي كانت عند عيلة من أهل المنطقة القريبة من النهر، واتنقلت من إيد لإيد بعد اللي حصل زمان، وكل اللي احتفظوا بيها كانوا مستنيين حد ييجي يعرف قيمتها ومعناها.»
مدّ إيده بالقطعة ناحيتها، وكمل:
«قالت إنها من شغل إيد جدتك، وإن أمك كانت هتعرف النقشة دي من أول نظرة.»
أخدتها ورد، وإيديها ما بقتش ثابتة زي الأول.
فضلت تمرر صوابعها على الخيوط القديمة البالية، وتتأمل النقشة اللي جدتها كانت نسجتها بإيديها على نفس الأرض دي، قبل ما السرقة والحزن وخمس عشرة سنة من الصمت يفرقوا كل حاجة، ويخلّوا الذكريات تتناثر بعيد.
همست:
«يا سليم…»
قال سليم، وكأنه بيردد كلام قاله لها قبل كده في مطبخ مختلف، في بداية الحكاية دي كلها:
«أنا مش راجل يقول كلام النهارده ويرجع يندم عليه الصبح. أنا رجعت في كلام وحاجات كتير طول حياتي، لكن مش دي. ومش إنتِ.»
مسك إيدها، والقطعة المنسوجة لسه بين صوابعهم.
وكمل بصوت صادق:
«أنا قضيت خمس عشرة سنة ببني حيطان حوالين حكاية طلعت مش حقيقية أصلًا. وإنتِ دخلتي من بوابة عزبتي ومعاكي أربعين قرش وكتاب أمك، وهدّيتي كل الحيطان دي من غير ما تقصدي، لمجرد إنك رفضتي تصغّري نفسك، رغم إن الدنيا كلها كانت بتحاول تقنعك إن ده مكانك.»
قالت ورد بصوت خافت:
«سليم…»
رد عليها بهدوء، لكن بإصرار:
«سيبيني أكمّل.»
وبعدين بص ناحية الأرض حواليهم وقال:
«الأرض دي كانت ملك عيلتك قبل ما تبقى ملك عيلتي. أنا ما أقدرش أرجّعلك السنين اللي ضاعت، ولا أمك، ولا البيت اللي اتاخد منها. لكن أقدر أديكي الحاجة دي… أقدر أرجّعلك حقك في الأرض كلها.»
سكت لحظة، وبعدين وضّح:
«مش باعتبارها هدية مني ليكي، لكن باعتبارها حقك اللي كان المفروض يفضل ليكي من البداية.»
أخد نفس عميق، وكمل:
«مريم كانت زرعت ورد قدام البيت، وأنا سيبت الزرع يموت معاها، لأني ما كنتش عارف إزاي أعتني بحاجة بعد ما الشخص اللي بدأها مشي. وإنتِ قضيتِ شهرين بتعلمي العزبة كلها إزاي نهتم بالحاجات من جديد، وإزاي نرجّع الناس تتجمع حوالين سفرة واحدة بدل ما الحزن يفرّقهم.»
بص في عينيها مباشرة، وقال:
«ومش عايز كل ده يقف عند باب البيت.»
فضل باصص لها بثبات، من غير تردد المرة دي.
وقال:
«يا ورد البدراوي، أنا بطلب منك تبني حياتك معايا على الأرض دي. اسمك يبقى مكتوب في عقد الملكية جنب اسمي، مش تحتيه ولا تابع ليا.»
وبعدين أضاف بصوت مليان يقين:
«مش عشان المحكمة سمحت بده أخيرًا، لكن لأن ده الحق والحقيقة. وأنا ناوي أقضي باقي عمري وأنا بقول الحقيقة بصوت عالي، وأول حقيقة لازم أقولها هي دي.»
ضوء المساء انعكس على الميه اللي بتجري في المجرى، وحوّلها لحاجة شبه النار، وشبه الذهب في نفس الوقت.
ورد بصّت لقطعة النسيج اللي بين إيديها، وبعدين رفعت عينيها ناحية شجرات الحور التلاتة اللي أمها رسمتهم زمان من ذاكرتها، على أمل إن بنتها تعرف في يوم من الأيام المكان اللي كان بيتها.
وبعدين بصّت أخيرًا لسليم الشهاوي، الراجل اللي بطل يبني حيطان حوالي نفسه، واللي كان واقف قدامها من غير ما يخبي أي حاجة جواه.
قالت:
«أيوه.»
كلمة واحدة بسيطة، لكنها طالعة من قلبها، بنفس الطريقة اللي أمها علمتها بيها إنها تقول الحقيقة من غير خوف.
سليم شدّها لحضنه، والهواء حرّك أوراق شجر الحور فوق راسهم.
وفي مكان بعيد وراهم، وسط هدوء المساء، ورد كادت تتخيل صوت أمها، واطي وواثق، بنفس الطريقة اللي كانت بتسمعها بيها وهي بتعجن العيش في مطبخهم القديم اللي ما بقاش موجود.
كانت أمها دايمًا بتقول لها:
«مهما رحتي فين، أكلك هيروح معاكي. وفين ما الأكل يروح، الناس هتتبعه.»
والناس فعلًا اتبعوها لحد هنا.
كلهم.
عماد، وروحية، ونادر، وعم عطية.
والتسعة وعشرين راجل الجعانين اللي جم العزبة في البداية، وبقوا مع الوقت أقرب لعيلة حقيقية.
ووادي كامل كان قرب يفقد شجاعته، لكنه قدر يستردها في الوقت المناسب.
وأمها كمان كانت معاها هنا.
في الحبر اللي كتبت بيه ذكرياتها، وفي الخيوط اللي نسجتها بإيديها، وفي كل حاجة ورد افتكرتها عنها.
كانت أمها معاها طول الطريق…
لحد ما رجعت أخيرًا لبيتها.





