ايوب وغرام رحمة السيد ج٣

نفى كامل برأسه وهو يضرب على المكتب عدة مرات مؤكدًا بسيطرة يشعرها تتسرب من قبضته ككل شيء كان يملكه:
-لأ ماخلصتش ومش هتخلص غير لما أنا أجول إنها خلصت.
لم يهتز إنش في وجه “رضوان” الذي احتفظ بتحجر ملامحه الجوفاء، وتشدق بصوت مغلق ينضح بالتهديد المبطن:
-ألاعيبك وبلاويك تحلها بنفسك أنا مليش دخل بيها، ولو أنت ماسك حاچة عليا تلوي دراعي بيها، فأنا كمان معايا اللي يثبت چريمة الجتل اللي أنت عملتها.
استكانت ملامحه وعيناه السوداء، ثم سرعان ما كانت نيران الغضب الهوجاء تغزو ليلها من جديد ما أن خاطره الاستيعاب، وأخذ يهدر بشراسة:
-إيه ؟ أنت بتعمل معايا أنا كدا ؟ أنا اللي خبيت مصيبتك وساعدتك لما سرجت ال آآ…..
قاطعه المأمور مزمجرًا بنبرة غليظة:
-وطي صوتك لسه في ناس مامشيتش، ماتوديش نفسك في داهية وأعجل لإني مش هروح في داهية لوحدي.
هدأت أنفاس كامل شيئًا فشيء وهو يدرك أن الانفعال ليس من مصلحته الآن على الإطلاق، وأن اللعبة التي تركها في تلك الساحة لتكون طوع يده، لم تعد كذلك وتمزقت خيوطها التي كان يتحكم بها.
فيما عاد رضوان بظهره للخلف ملقيًا نظرة شامتة راضية عليه، ثم أردف آمرًا:
-اتفضل يلا من غير مطرود ورايا مصالح مش فاضي أنا، ومش كل شوية توريني طلتك البهية، المرة الچايه لو چيت تاني من غير سبب مش هخليك تطلع منه تاني.
فلم يكن يملك إلا أن يغادر مستسلمًا على مضض، ولكنه بإباء وبنفس ترعرعت على الكبر فأصرت على نزع ثوب الانهزام رغم تغلغله لكافة خلاياه، كان يغمغم بصوتٍ مكتوم:
-ماشي يا رضوان، ماشي.. بس الموضوع ماخلصش على كدا.
****
فتحت “غرام” الباب بعدما سمعت طرقاته وارتدت اسدال الصلاة، لتجد الطارق “أيوب” وما أن وقعت عيناها عليه وقد كانت رأسه مُضمدة وبعض الدماء تلطخ ملابسه حتى شهقت بفزع وتصاعدت دقات قلبها حتى كادت تخترق قفصها الصدري، ثم سألته بنبرة هلوعة وهي تمسك بساعديه تساعده على الدخول:
-إيه اللي حصل ؟ مالك يا أيوب؟
أجابها بصوته الرخيم يُهدئ من روعها:
-اهدي يا غرام أنا كويس، دي حاچة بسيطة.
سار معها حتى جلس على الأريكة وجلست هي جواره تتفحص ضمادة رأسه بحذر تود اكتشاف مدى خطورة تلك الإصابة لتتأكد إن كانت بسيطة كما يقول ام لا، وعينيها تصرخ قلقًا على مالك القلب والروح…
فيما شعر أيوب بنفسه المُظلمة تلفظ قيح الحقد والسواد في استجابة فورية لصرخة القلق في بُندقيتيها، ها هي حتى في أسوء حالاته تُشفيه وتُشفي روحه المعطوبة!



