ايوب وغرام رحمة السيد ج٣

هز رأسه نافيًا لِمَ توصلت إليه أفكاره، وظل يهزها مغمغمًا بصوت متحشرج مكتوم:

-لا لا، مش هتسيبيني في الاخر !

ثم صدر عنه هذيان ممزق بالندم :

-أنا السبب، أنا السبب.

وصلوا أخيرًا للمستشفى، وتم نقل غرام لغرفة الاستقبال، كان أيوب يدور بلا هوادة أمام تلك الغرفة، وجد ظافر أمامه وقد أتى مسرعًا فالأخبار في هذه البلدة تتناقل بسرعة، وراح يسأله بنبرة يلفحها القلق:

-إيه حصل ؟ مرتك كويسة؟

هز الآخر كتفاه بقلة حيلة وهو يجيب بـ تيه لم يره ظافر عليه سابقًا ابدًا:

-ماعرفش.

فـ ربت على كتفه بخفة وهو يقول محاولًا شحنه بطاقة ايجابية تعوله على الصمود:

-هتبجى زي الفل بإذن الله ماتجلجش.

ظل أيوب يهز رأسه متمتمًا دون أن ينظر له:

-يا رب، يا رب.

خرج الطبيب أخيرًا ليُطمئنهم على حالتها، حينها أطلق أيوب نفسًا مرتاحًا لم يدرك أنه كان محبوسًا…

ابتسم ظافر مرددًا بنبرة ودودة:

-الحمدلله إنها چات على كد كدا، ادخل أنت اطمن عليها، وأنا هروح أچيبلكم عصير او حاچة تاكلوها.

هز أيوب رأسه موافقًا بابتسامة باهتة وبدا أنه لا زال تحت تأثير صدمة ما حدث.

دلف للغرفة التي تقبـع بها، لم تكن استعادت وعيها بعد، قرب الكرسي من الفراش الذي ترقد عليه وجلس، رؤيتها بهذا السكون والوهن والاوكسچين على أنفها؛ كانت شاقة ومؤلمة جدًا..

كان جزء من ذراعها الأيمن قد احترق وقاموا بلف الضمادة عليه، أمسك بكفها برقة شديدة وكأنها زجاج يخشى كسره، ثم هبط ببطء يلثم باطن كفها بعمق مطلقًا أنين خافت متوجع مرتعب.

ثم همس بصوت ملكوم وكأنه يحدث نفسه:

-ماكنش ينفع تسيبيني بعد ما لاجيتك، ماكنتش هجدر أعيش الوچع دا تاني.

كان يقصد ألم فقدان والدته، فهو لم يشعر بهذا الألم إلا حينها، فصار هاجسه!

****

بعد خمس أيام….

خمس أيام مروا على “غرام” كربيـع حل فجأة على لياليها الشتوية القارصة ليجعلها دافئة مبتهجة كما لم تكن قبلًا، فـ أيوب منذ خروجها من المستشفى قد أجر لهما بيتًا جديدًا، ولم يغادر لعمله طوال الأيام السابقة، رغم أن حالتها لم تكن سيئة من الناحية الجسدية، إلا أنه كان يرعاها ويهتم بها كأنه يخبئها في محمية طبيعية، حتى أنه يعد الطعام بنفسه لها خاصةً بعد اصابة ذراعها الأيمن الذي لم تستطع استخدامه في هذه الأيام الاولى بسبب الحرق به…

صحيح أنه لم يغدقها باهتمام شفوي ملفوظ ولم يبدِ ندمه رغم أنها تراه يلون ظلام عينيه فيعطيها خلفية شاعرية تعبر عن وجود الحياة بها، بخلاف الجمود والقسوة السابقان، إلا أنها تستطع لمس الدفء الذي يقطر من أفعاله تجاهها مؤخرًا، يُدللها بصمت، وهي لن تطمع بأكثر من ذلك، كما أنها ليست غاضبة منه، فهو بالطبع لم يكن يعلم او يتصور أن المنزل سيحترق في غيابه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *