سليم الشهاوي وورد البدراوي ج٣

لقيت ورد البدراوي سليم الشهاوي في المطبخ الليلة دي، في وقت متأخر عن المعتاد.
ما كانش طلب العشا، ولا نزل قاعة الطعام زي كل مرة. وورد، من باب العادة أكتر من إنها بتنفّذ تعليمات، خدت له طبق أكل لمكتبه. لكنها اتفاجئت بيه واقف عند باب المطبخ، وعينيه معلّقة في الفراغ، كأنه مش شايف اللي قدامه.
قبل ما ورد تنطق بكلمة، سليم قال:
«هو عارف حاجة… عن الأرض الشرقية، وعن عيلة المنشاوي.»
ورد حطت الطبق على الترابيزة. إيديها بقت أثبت من وقت ما كانت واقفة في ساحة العزبة، لكن لسه جواها توتر بسيط.
قالت له:
«فيه حاجة لازم أورهالك.»
راحت أوضتها ورجعت بكتاب الوصفات القديم. فتحته عند الطيّة القريبة من تجليد الكتاب، وبحرص شديد، زي ما اتعلمت تتعامل مع أي حاجة غالية عليها، طلّعت الورقة القديمة الهشّة وفردتها قدامه.
سليم قرأ الورقة في صمت، وورد كانت بتراقب ملامحه وهي بتتغير مع كل سطر بيقراه.
شافت الأفكار وهي بتترتب في دماغه، وشافت اللحظة اللي بدأ فيها يفهم الحقيقة، ببطء وبشكل موجع؛ نفس الحقيقة اللي هي وصلتلها من أسابيع، لكنها ما كانتش عارفة إزاي تقولها بصوت عالي.
سليم رفع عينيه وقال بهدوء، من غير اتهام، لكن بصدمة واضحة:
«دي أرضي.»
ورد ردت بصوت واطي:
«كانت أرض أمي… قبل المصيبة اللي حصلت. أيًّا كانت المصيبة دي، هي كتبت اللي حصل واحتفظت بالورقة، لكنها عمرها ما حكتلي باقي الحكاية.»
صوتها اتكسر بشكل بسيط، لكنها كملت؛ لأنها حست إن التوقف في اللحظة دي أخطر من إنها تواجه الحقيقة.
«ودلوقتي فيه راجل واقف في عزبتك، بيحاول ياخد نفس الأرض دي بأوراق مزوّرة. وأنا مش عارفة ده معناه إيه بالنسبة لي، ولا المفروض أقف في صف مين.»
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
«مش عارفة إذا كان لسه فيه أصلًا صفوف، ولا إحنا قدام سرقة واحدة طويلة، بدأت من زمان، وكل جيل بيورّث اللي بعده جزء من الظلم اللي وقع عليه.»
سليم طوى الورقة بعناية، بطريقة خلت ورد تتفاجئ من حرصه، ومدّها لها كأنها حاجة هشة ممكن تتكسر من أقل لمسة.
قال:
«وأنا كمان مش عارف. بس فيه حاجة واحدة متأكد منها… فارس المنياوي بيكدب في حاجة. الرجالة اللي زيه مش بيلبسوا لبس المحاكم ويروحوا يتكلموا بالقانون، إلا لو ناويين يسرقوا قدام الناس في عز النهار، ويسمّوا السرقة حق.»
ورد بصت له وقالت:
«هو عارف أنا مين، وهيستغل ده ضدي.»
سليم رد من غير تردد:
«خليه يجرّب.»
ورد نادته باسمه للمرة الأولى من غير لقب أو رسمية:
«سليم…»
وللمرة الأولى من بعد الأسبوع الصعب اللي جه عقب عزومة جلال، قالت له اللي كانت مخبياه جواها.
«هو مش بيحاول يضرّ عزبتك وبس. هو بيحاول يضرّني أنا عن طريق عزبتك، لأن تشويه سمعة ست أسهل بكتير من إنه يزوّر ملكية أرض راجل.»
ملامح سليم اتغيرت، وظهر في عينيه غضب غامق.
قال بحزم:
«يبقى اختار الست الغلط… والعزبة الغلط كمان.»
ورد كانت نفسها تصدّقه.
كانت نفسها تصدّقه لدرجة خوّفتها من نفسها.
لأن الأمل قبل كده كلّفها كتير.
رغبتها في إنها تلاقي بيت تعيش فيه كلّفتها مطعمها، ورغبتها في الأمان كلّفتها عيلتها.
اتعلمت بالطريقة الصعبة، مرة ورا مرة، إن الأمل زي الدَّين؛ مهما طال الوقت، لازم ييجي يوم وتسدد تمنه.
لكن وهي باصة لسليم، اللي كان واقف في مطبخها، وفكّه مشدود بإصرار، ورافض يتراجع عن معركة مش معركته لوحده، لقت نفسها بتفكر بهدوء، وبشيء من الخطورة:
يمكن المرة دي الأمور تختلف.
الإشاعات وصلت للبلدة قبل نهاية الأسبوع، لأن دي كانت طريقة فارس المنياوي في الشغل.
ورد بدأت تفهم أسلوبه. ما كانش بيواجه حد بشكل مباشر، لكنه كان بيزرع كلمة هنا، ويلمح بكلمة هناك، ويكتفي بنظرة أو ابتسامة تخلي الناس تكمل الباقي من عندها.
ولما نادر رجع من مشوار شراء المستلزمات يوم السبت، كان وشه مشدود بطريقة ورد ما شافتهاش عليه قبل كده.
قبل ما يحط شكاير الدقيق على الأرض، سألته:
«فيه إيه؟ حصل إيه؟»
نادر اتردد، وتردده لوحده كان كفاية يخلي ورد تفهم إن فيه مصيبة، حتى قبل ما يتكلم.
بدأ يقول:
«الناس في البلدة…»
سكت، وبعدين حاول يكمل:
«فيه كلام بيتقال عن العزبة… وعنِك إنتِ.»
ورد ردت بحزم:
«قولّي كل حاجة.»
نادر نزل عينيه وقال بحزن:
«بيقولوا إن الأستاذ سليم عقله خفّ، وإنه مبقاش عارف هو بيعمل إيه، علشان سايب ست من قبائل أمك تمسك مطبخه وتديره.»
سكت لحظة، وكأنه مش قادر يقول الباقي.
لكن ورد بصت له وقالت:
«كمّل يا نادر.»
أخد نفس عميق، وبعدين قال:
«وفيه ناس بتقول كلام أسوأ من كده. رجالة فارس بقالهم تلات ليالي قاعدين في القهوة، بيتكلموا بصوت عالي، علشان كل اللي في الشارع يسمعوا كلامهم.»
ورد حست ببرودة بتنتشر في معدتها.
هي سمعت النوع ده من الكلام قبل كده؛ في بلدة المرجان، وفي عشرات بيوت الضيافة، وفي كل بلدة عدّت عليها خلال رحلتها الطويلة من المدينة البعيدة اللي كانت عايشة فيها.
لكن المرة دي كانت مختلفة.
الإشاعات ما كانتش مجرد كلام عابر، ولا مجرد ناس بتحب تتدخل في حياة غيرها.
المرة دي كان فيه حد بيوجّه الكلام، وبيحرّك الناس عن قصد، وراسم خطة عارف هو عايز يوصل بيها لإيه.
ورد سألت، وهي بتحاول تحافظ على هدوئها:
«طب والعزومة الجماعية يوم الأحد؟»
نادر ما احتاجش يرد بسرعة؛ لأن وشه قال الإجابة قبل لسانه.
قال بهدوء:
«عيلة الحاجة فاطمة الدسوقي قالت إنهم مش هييجوا الأسبوع ده.»
ورد فضلت باصة له، فكمل:
«قالوا إن حضورهم مش هيكون مناسب بعد الكلام اللي بيتقال.»
ورد كررت كلامه ببطء:
«بعد الكلام اللي بيتقال…»
وقفت مكانها في مطبخها، في المكان اللي بدأت، بغباء يمكن، تحس إنه بقى آمن بالنسبة لها.
وفجأة، حست إن الأرض اللي واقفة عليها بقت رفيعة زي طبقة تلج ممكن تتكسر في أي لحظة.
الأحد اللي بعده، حضر أربعة أشخاص بس، بعد ما كانوا تلاتة وعشرين شخصًا على المائدة في الأسبوع اللي قبله.
لكن ورد طبخت برضه.
جهزت كل الأصناف زي كل مرة، وكأن مفيش حاجة حصلت.
لأنها كانت عارفة إن التراجع هو أول خطوة ناحية الاختفاء، وهي اختفت قبل كده بالفعل.
خسرت اسمها، ومطعمها، وأبوها، وأمها، وحياة كاملة كانت فاكرة إنها هتفضل ملكها طول العمر.
ومش هتسمح لفارس المنياوي إنه يخليها تختفي مرة تانية.
روحية البدري حضرت، وقعدت جنب عماد.
الوجبة كلها كانت أهدى من المعتاد، والكلام على المائدة كان قليلًا، لكن روحية فضلت قاعدة لحد قرب نهاية العشا.
وقبل ما تقوم، مدت إيدها وغطّت إيد ورد بإيدها للحظة قصيرة.
وبصوت واطي، علشان محدش غير ورد يسمعها، قالت:
«أوعي تسيبيهم يكسبوا يا حبيبتي.»
ورد رفعت عينيها لها.
روحية كملت:
«العقول الصغيرة دايمًا محتاجة تلاقي حد تكرهه وتلومه على كل حاجة. بس ده مش معناه إنك لازم تديهم اللي هما عايزينه.»
ورد ما ردتش بكلام كتير، لكنها فضلت شايلة الجملة دي جواها طول الأسبوع، زي جمرة صغيرة بتحافظ على دفئها بين كفوفها.
لأنها كانت عارفة إنها هتحتاجها.
الحريق
النار ولعت بعد أربع ليالي.
ورد صحيت على ريحة الدخان قبل ما تسمع أي صوت.
ريحة دخان حادة وخانقة، بتتسلل من تحت باب أوضتها قبل ما صوت النار يوصل لها.
وجسمها كله اتشد قبل حتى ما تستوعب هي بتشم إيه؛ لأن الريحة دي، بنفس حدّتها وقسوتها، كانت محفورة جواها في مكان عميق.
مكان أعمق من التفكير، مكان مش محتاج حد يفكّره مرتين إن ريحة الدخان في عز الليل معناها إيه.
الحريق القديم.
المطعم. مطبخ أبوها. كل حاجة راحت في ساعة واحدة، قبل ما أي حد يقدر ينقذها.
ورد قامت من سريرها وجريت قبل ما تفوق تمامًا.
مخزن الغلال كانت النار بدأت تطلع على حيطانه القريبة، واللهب البرتقالي منوّر وسط سواد الليل، والرجالة بتصرخ وبتجري في كل اتجاه.
واحد منهم كان بيسحب الخيول بعيد عن الإسطبل اللي جنب المخزن، بينما ورد وقفت متسمّرة في نص الساحة لثانية مرعبة، بتبص للنار وهي بتاكل مبنى خشب، وحست إنها رجعت بنت عندها خمستاشر سنة.
افتكرت إيد أبوها وهي بتشدها بعيد عن النار، النار اللي كانت أخدت منها كل حاجة غالية عليها.
كل حاجة… إلا إن المرة دي ما كانتش في مدينتها القديمة.
المرة دي كانت هنا، في عزبة سليم الشهاوي.
وكان فيه واحد وتلاتين راجل محتاجينها ثابتة وقوية، مش واقفة مكانها من الرعب.
وهي كانت وعدت نفسها، مش كده، إنها مش هتتجمّد من الخوف تاني.
صرخت بأعلى صوتها:
«الجِرادل! هاتوا الجِرادل بسرعة!»
صوتها شقّ دوشة الحريق، حاسم وقوي، زي صوت السوط اللي كانت استخدمته قبل كده عشان توقف ثور هائج.
«اعملوا صف من البير لحد المخزن! بسرعة!»
الرجالة اتحركوا فورًا، لأن صوتها كان فيه حاجة بتفرض الطاعة، أمر نابع من الضرورة، مش من الرغبة في السيطرة.
نفس الصوت اللي كانت نادت بيه الكلاب قبل كده عشان تبعدها عن السور، ونفس الصوت اللي قدرت بيه تغيّر اتجاه ثور مذعور كان مندفع ناحية الناس.
سليم كان واقف عند البير بالفعل، بيرفع الجِرادل وبيسحب المية، وهدومه اتبلّت بالعرق ومية البير.
وعم عطية كان بينظّم صف الرجالة، بينما عماد، اللي لسه رجله بتتعافى، كان سايب العكاز بتاعه في التراب، وبيمرر الجِرادل للرجالة وهو قاعد؛ لأن الوقوف ما كانش في مقدرته، لكنه في نفس الوقت ما كانش مستعد يفضل عاجز عن المساعدة.
فضلوا يحاربوا النار أربعين دقيقة كاملة.
خسروا نص مخزون الغلال، لكنهم قدروا ينقذوا المخزن نفسه في معظمه، رغم إن الحيطة القريبة من النار كانت محتاجة تتبني من جديد قبل الشتا.
ولما النار أخيرًا انطفت، وآخر جمرة بتطلع صفير خافت اختفت، والرجالة اتفرقوا في الساحة، هدومهم مسوّدة وملامحهم مرهقة، عم عطية انحنى جنب أساس المخزن، وفجأة وقف مكانه من غير حركة.
رفع عينيه ناحية سليم وقال:
«يا سليم.»
قال اسمه بس، بصوت واطي وتقيل.
سليم قرب منه، وورد مشت وراه؛ لأن أي حاجة عم عطية لقاها كانت كفاية تغيّر ملامحه بالشكل ده، وده لوحده كان مقلقها.
عم عطية أشار ناحية الأرض.
«جاز.»
كانت فيه خرقة محروقة، نصها متفحّم، محشورة جنب قاعدة الحيطة، في مكان مستحيل النار تكون بدأت منه لوحدها.
عم عطية قال بجدية:
«الحريق ده مش حادثة.»
الساحة كلها غرقت في صمت تقيل.
ورد بصت للخرقة المتفحمة، وبعدها بصت لوش سليم، وحست بيقين بارد بيستقر جوا عضمها، زي برد الشتا.
أنا عارفة بالظبط مين اللي عمل كده.
حتى لو ما قدرتش تثبت ده، وحتى لو مفيش محكمة في البلد كلها تقدر تجبره يتحاسب على اللي عمله.
هي قابلت الراجل ده من أيام قليلة، لما وقف على باب بيت سليم، بابتسامة هادية وكلام كله مجاملة، ووعد إنه عايز يعيش معاهم في سلام وحُسن جوار.
فارس المنياوي.
خبر الحريق وصل للبلدة أسرع من الدخان ما اختفى من السما.
لكن المصيبة الحقيقية كانت في حاجة تانية، حاجة خلت إيدين ورد يرتعشوا من الغضب أكتر من الخوف.
مش كل الكلام اللي اتقال في البلد كان ضد فارس المنياوي.
جزء من الناس وجّهوا اتهاماتهم ناحيتها هي.
سمعت الكلام من نادر مرة تانية، لأن نادر بقى، من غير ما أي واحد فيهم يقرر ده بشكل واضح، الشاب اللي بيضطر ينقل لها أصعب الأخبار؛ لأنه ما كانش بيستحمل يشوف حد تاني يقولها الكلام ده ويجرحها.
بدأ نادر يتكلم:
«فيه ناس بتقول…»
سكت، وبص لها بملامح حزينة.
ورد حطت إيدها على دراعه وقالت:
«قول يا نادر.»
بلع ريقه، وبعدين قال بصوت واطي جدًا:
«فيه ناس بتقول إن الحريق علامة… وإن المصايب بتيجي معاكي يا ورد، وإن وجودك في أرض سليم هو اللي جاب المشاكل للعزبة.»
وقف لحظة، وبعدين كمل:
«وفيه اللي بيقول إن الأستاذ سليم المفروض يعيد التفكير في موضوع إنه سايبك تطبخي وتديري المطبخ عنده.»
ورد حست إن حاجة جوا صدرها بردت فجأة، وبقت ساكنة تمامًا.
لأن دي كانت أقدم حيلة في الدنيا.
وفهمت دلوقتي كل حاجة بوضوح ما كانش عندها قبل كده.
فارس المنياوي ما حاولش يحرق المخزن وبس.
هو حاول يحرق صورتها في عقول أهل البلد كلها، مستخدمًا الحريق اللي هو نفسه غالبًا أشعله، ومستغلًا ماضيها ضدها، وقالبًا الحقيقة بالعكس، لحد ما بقت هي الخطر في نظر الناس، بدل ما تكون هي الضحية.
في المساء، راحت ورد مكتب سليم.
كان قاعد قدام دفتر حسابات، وعينيه عليه، لكن واضح إنه مش بيقرأ ولا كلمة.
وقفت قدامه وقالت:
«أنا لازم أمشي.»
سليم رفع راسه بسرعة لدرجة إن الكرسي اتحرك على الأرض بصوت عالي.
ورد كملت، وصوتها كان أثبت من إحساسها الحقيقي:
«فكّر فيها يا سليم. لو مشيت، الكلام ممكن يهدى. فارس هيخسر الس\لاح اللي بيحاربنا بيه.»
سليم فضل باصص لها، فوضحت أكتر:
«عزبتك هتبطل تبقى هدف بالنسباله، لأنه مش هيلاقي حد يوجّه له الاتهامات، ولا هيلاقي اسمي يستخدمه ضدك.»
سليم وقف فجأة وقال بحدة:
«لأ يا ورد. لأ.»
لف حوالين المكتب، وقرب منها لحد ما بقى واقف قدامها مباشرة، واضطرت ترفع دقنها شوية عشان تقدر تبص في عينيه.
وللمرة دي، ما كانش في عينيه أي حذر أو محاولة يخبي اللي جواه.
كان فيه غضب صريح، وإصرار واضح، وإحساس حقيقي مش قادر يداريه.
قال بصوت هادي، لكنه حاسم:
«أنا مش هسمح لراجل يحرق مخزني، وبعدها يقرر لي مين اللي يطبخ في مطبخي.»
قرب خطوة بسيطة، وكمل:
«ومش هسيبه ياخد الانتصار ده فوق الانتصار التاني اللي بيحاول يسرقه مننا.»
ورد قالت بصوت متوتر:
«الموضوع مبقاش متعلق بالعزبة لوحدها يا سليم.»
بصت في عينيه وكملت:
«الموضوع بقى متعلق باللي ممكن يحصل لك في البلد دي لو فضلت واقف جنبي.»
سليم رد بهدوء، لكن صوته كان مليان إصرار:
«خليهم يبصوا يا ورد.»
سكت لحظة، وبعدين قال:
«خلي البلد كلها تبص وتشوف أنا واقف فين، ومع مين.»
ورد ما لقتش رد. مش رد تقدر تقوله بالكلام على الأقل.
فضلت واقفة قدامه في ضوء المصباح الخافت، وحست إن حاجة جوا صدرها بتتحرك من مكانها، حاجة قضت ست شهور كاملة بتحاول تمنع نفسها من إنها تحس بيها.
حاجة كانت رافضة تعترف بوجودها؛ لأنها كانت خايفة من تمنها.
لكن وهي واقفة قدام سليم، بدأت تدرك إن أصعب حاجة مش إنها تثق فيه.
أصعب حاجة إنها تسمح لنفسها تصدّق إن فيه حد ممكن يختار يقف جنبها، حتى لما الدنيا كلها تقرر تقف ضدها.
يتبع
كلمة سليم وموقفه قدام أهل البلدة
سليم الشهاوي أثبت كلامه بعد تلات أيام؛ لأن الكلام حاجة، والأفعال حاجة تانية، وورد بدأت تكتشف إن سليم من النوع اللي بيؤمن بالأفعال أكتر بكتير من الكلام.
ركب حصانه ودخل بنفسه بلدة النخيل، وخد ورد معاه في العربة، وعدّى بيها في الشارع الرئيسي وسط النهار، في نفس البلدة اللي بقالها أسبوعين الناس فيها بيتكلموا عليها من ورا ضهرها، ويتهامسوا كل ما اسمها يتجاب.
ورد حسّت بكل عين في الشارع بتتوجّه ناحيتهم، وحسّت بالصمت الغريب اللي بيغطي المكان لما الناس تبقى بتقرر في نفس اللحظة إذا كانت هتقول كلام جارح بصوت عالي، ولا هتكتفي إنها تفكر فيه جواها.
سليم وقف بالعربة قدام المحل الكبير في نص البلدة، ونزل وساعد ورد تنزل بنفسه، وإيده ثابتة تحت دراعها، قدام كل الناس اللي كانت واقفة تتفرج.
وفي اللحظة دي، كانت الست فاطمة، اللي ساكنة على بُعد بيتين منهم، بتكنس قدام بيتها. أول ما شافتهم، قالت بصوت عالي بما يكفي إن كلامها يوصل لهم:
«هو مفيش ناس محترمة في البلد دي غير اللي تعرف تختار الناس اللي تصاحبها؟»
سليم لف ناحيتها من غير ما يعلي صوته.
قال بهدوء شديد، لكن هدوءه كان فيه قوة تخلي أي حد يفكر مرتين قبل ما يرد عليه:
«يا ست فاطمة، ورد هي اللي عالجت رجل عم عطية بإيديها يوم ما الثور كاد يقتله.»
وسكت لحظة، وبعدين كمل:
«وهي اللي أكلت رجالة العزبة أحسن أكل داقوه من سنين. وفي شهرين بس، عملت اللي غيرها ما قدرش يعمله في تسع سنين.»
بص للست فاطمة مباشرة، وقال بحزم:
«وهي ما حرقتش المخزن بتاعي، رغم إني عندي فكرة كويسة عن مين اللي عمل كده، وناوي أثبتها.»
سكت لحظة، وساب الصمت ياخد وقته.
وبعدين قال:
«ولو عندك كلام عن مين اللي أنا بسمح له يقعد على مائدتي، تقدري تقوليه في وشي، بدل ما تستني لما أمشي وتتكلمي من ورا ضهري.»
المكنسة وقفت في إيد الست فاطمة.
ومحدش في الشارع كله نطق بكلمة تانية.
ورد وقفت وسط التراب في الشارع الرئيسي لبلدة النخيل، قدام الناس كلهم، وحسّت إن حاجة جوا صدرها بدأت تتفتح بعد ما كانت مقفولة بإحكام من سنين طويلة.
لأن محدش، من يوم ما أبوها مات، ومن يوم الحريق، ومن يوم ما محامي خالها حاول يستولي على كل حاجة تخصها، وقف قدامها بالطريقة دي.
محدش وقف قدام الناس ودافع عنها بوضوح، من غير اعتذار، ومن غير ما يتصرف كأن وجودها عبء لازم يتحمله.
ورد بصت لسليم وقالت بصوت واطي:
«شكرًا.»
قالت الكلمة دي بعد ما ركبوا العربة ومشوا، وبعد ما الشارع بقى وراهم.
سليم فضّل باصص للطريق قدامه، وقال:
«مش محتاجة تشكريني على إني بقول الحقيقة.»
ورد ردت:
«معظم الناس ما بتقولش الحقيقة بصوت عالي، خصوصًا لما تبقى عارفة إن اللي بيسمعها ممكن ما يعجبوش الكلام.»
سليم بص لها للحظة قصيرة، وكان في عينيه شيء خلّى نفسها يتسحب منها.
قال:
«أنا خلاص زهقت من إني أبقى زي معظم الناس.»
ورد ما وثقتش في صوتها كفاية عشان ترد، فما قالتش حاجة.
فضلت قاعدة جنبه طول الطريق، قريبة منه لدرجة إن كتفها كان بيلمس كتفه كل ما العربة تهتز في الطريق، وسابت الصمت يقول باقي الكلام اللي ما قدرتش تنطقه.
كان عم عطية هو اللي لقى الخيط اللي أخيرًا ممكن يمسكوا فيه ويبدأوا يكشفوا الحقيقة.
بعد تمان أيام من الحريق، رجع من بلدة السواقي، والتراب مغطي هدومه وملامحه متجهمة.
راح على مكتب سليم مباشرة، من غير حتى ما يوقف يسقي حصانه، وده خلّى ورد، اللي كانت بتراقب من باب المطبخ، تفهم إن اللي جايبه معاه ما ينفعش يستنى.
وبعد عشرين دقيقة، نادوا عليها.
دخلت المكتب، ولقت سليم وعم عطية واقفين قدام المكتب، وفوقه خريطة مرسومة بإيد حد، ومفرودة بينهم.
عم عطية بدأ كلامه من غير مقدمات، لأنه قرر، وده كان القرار الصح، إن ورد بقى من حقها تعرف الحقيقة من غير لف ولا دوران.
قال:
«فيه راجل عايش في بلدة السواقي، اسمه ياسر المنشاوي، حفيد الحاج سليمان المنشاوي. وده الراجل اللي فارس المنياوي بيقول إن جده عمل اتفاق قديم مع أبوه بخصوص الأرض.»
جسم ورد كله اتشد.
كررت الاسم ببطء:
«المنشاوي؟»
عم عطية هز راسه وكمل:
«الراجل بيشرب كتير، ولما بيشرب لسانه بيتفلت منه الكلام. وبيقول إن جده عمره ما عمل أي اتفاق مع أبو فارس المنياوي.»
سكت لحظة، وبعدين قال:
«بل بالعكس، بيقول إن جده رفض طلب أبو فارس أكتر من مرة؛ لأن الاتفاق ده كان معناه إنه يتنازل عن حقوق المية اللي بتمر من خلال…»
عم عطية وقف كلامه، وبص للخريطة، وبعدها أشار بإصبعه لنقطة قريبة من انحناءة مجرى مية، وورد عرفتها فورًا.
قلبها اتقبض.
لأن المكان ده هو نفسه اللي أمها كانت رسمته بالحبر الباهت في الورقة القديمة.
عم عطية كمل:
«من خلال الأرض الشرقية. نفس الأرض اللي أمك حددتها في الورقة يا ورد.»
المكتب غرق في صمت تقيل.
سليم قال ببطء، كأنه بيحاول يستوعب كل كلمة:
«يعني الورقة مزوّرة.»
عم عطية رد:
«ياسر المنشاوي شايف إن ده اللي حصل. بس فيه مشكلة.»
ورد كانت اتعلمت إن الأمل في الحكاية دي بالذات دايمًا بييجي معاه مشكلة.
عم عطية كمل:
«ياسر عليه ديون كتير، وديون تقيلة. والراجل اللي مستلف منه في بلدة السواقي بيتعامل مع فارس المنياوي.»
ورد بصت له باهتمام، فوضح أكتر:
«ولو فارس قدر يثبت إن الأرض من حقه، فيه كلام إن التعويض اللي هياخده كفاية يسدد بيه ديونه كلها.»
سكت لحظة، وبعدين قال:
«وياسر عارف ده كويس. وده معناه إنه عنده كل الأسباب اللي تخليه يسكت، ويسيب اسم جده مرتبط بكدبة، بدل ما يخسر الفلوس اللي ممكن تنقذه.»
ورد حسّت بالثقل القديم بيرجع يستقر على صدرها؛ لأنها كانت فاهمة الحسابات دي أكتر من أي حد في الأوضة.
كانت عارفة كويس إحساس إن الحقيقة تبقى غالية لدرجة إنك ما تقدرش تدفع تمنها.
قالت بهدوء:
«هو مش شرير… هو محاصر ومش لاقي مخرج. وفيه فرق كبير بين الاتنين.»
سليم بص لها وقال:
«ده نفس الكلام اللي قلتيه عن عماد يوم حادثة الثور.»
ورد ردت:
«وساعتها برضه كنت بقول الحقيقة.»
عم عطية طوى الخريطة ببطء، وبعدين قال:
«وفيه حاجة تانية.»
نبرة صوته خلت معدة ورد تتقبض قبل حتى ما يكمل.
قال:
«الأرض اللي ياسر شغال فيها دلوقتي، واللي بيعتبرها ملكه، مش هي الأرض الشرقية. دي قطعة أرض تانية، أصغر منها.»
سكت لحظة، وبعدين كمل:
«الأرض دي اتباعت لعيلته من سنين بسعر قليل جدًا، في اتفاق مستعجل، على حد وصف ياسر نفسه.»
بص لورد وقال:
«وده حصل تقريبًا في نفس الوقت اللي أهل أمك سابوا فيه الأرض دي يا ورد.»
ورد حست إن الأوضة مالت بيها بشكل بسيط.
لأن ده معناه إن ياسر المنشاوي مش مجرد شاهد على اللي حصل.
ده كمان ممكن يكون عايش فوق جزء من الأرض اللي وصلت لعيلته بسبب الظلم اللي اتعرضت له عيلة أمها من الأساس.
ورد بدأت ترتب الأفكار بصوت مسموع، وهي بتحاول تستوعب الصورة كاملة:
«يعني هو عايش على أرض وصلت لعيلته بسبب الخسارة اللي حصلت لعيلتي.»
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
«ودلوقتي هو الشخص الوحيد اللي ممكن يمنع سرقة الأرض نفسها مرة تانية… لكنه خايف، ومكبّل بالديون، ومش قادر يقول كلمة.»
عم عطية أومأ برأسه.
وبعدين أضاف، كأنه افتكر حاجة في آخر لحظة:
«وفيه حد تاني ممكن يساعده يلاقي الشجاعة اللي ناقصاه.»
طوى آخر طرف من الخريطة، وقال:
«ست عجوز عايشة في منطقة قريبة من مجرى النهر، اسمها الحاجة زينب الشاذلي. الست دي عاشت كل اللي حصل من خمستاشر سنة، وكانت تعرف العيلتين كويس.»
ورد فضلت ساكتة وهي بتسمع.
عم عطية كمل:
«كانت تعرف الحاج سليمان المنشاوي، وتعرف أهل أمك كمان، على حد ما سمعت. ولو فيه حد في المنطقة دي لسه فاكر الحقيقة من غير ما تكون اتشوّهت مع السنين، فهي الست دي.»
ورد حفظت الاسم في ذاكرتها بعناية، زي ما كانت بتحفظ أي معلومة ممكن تحتاجها بعدين.
محدش في الأوضة اتكلم بعدها؛ لأن مفيش إجابة سهلة كانت موجودة.
كان فيه بس شكل الحقيقة المعقدة والمخيفة: ظلم قديم وظلم جديد، مربوطين ببعض بحبال محدش من الموجودين هو اللي ربطها، لكنهم كلهم بقوا مضطرين يمسكوا أطرافها ويحاولوا يفكوها.
ورد رفعت راسها وقالت:
«أنا عايزة أروح بلدة السواقي.»
سليم وعم عطية بصوا لها.
سليم بدأ يقول:
«يا ورد…»
لكنها قاطعته، بصوت أهدى من الكلمات اللي قالتها، لكنه كان حاسم:
«أنا مش بطلب إذن. أنا عايزة أتكلم مع ياسر بنفسي.»
بصت لسليم وكملت:
«الكلام بين الرجالة لوحده مش هيحرّكه. لكن إحساسه بالذنب ممكن يخليه يتكلم.»
سكتت لحظة، وبعدها قالت بصوت اتملأ بوجع قديم:
«وأنا فاهمة الذنب أكتر منكم أنتم الاتنين، لأني بقالي ست شهور عايشة جوه ذنب مش ذنبي، من يوم ما خالي قرر إن سرقة عمر أبويا كله أسهل بكتير من إنه يحزن عليه ويحترم اللي بناه.»
سليم فضل باصص لها وقت طويل.
كان في ملامحه قلق واضح، لكن كان فيه كمان إحساس تاني أدفى، ورد ما عرفتش تحدده بالظبط.
وأخيرًا قال:
«أنا جاي معاكي.»
ما كانتش جملة فيها سؤال، ولا كان مستني منها موافقة.
ورد ردت بابتسامة صغيرة:
«عارفة يا سليم. وأنا كنت معتمدة على كده.»
يتبع
بعد يومين، مع أول خيوط الفجر، خرجت ورد البدراوي وسليم الشهاوي في طريقهم لبلدة السواقي.
كان الطريق ممتد قدامهم، ترابه ناعم ولونه باهت، والشمس لسه ما طلعتش بالكامل، لكن الحر كان واضح إنه هيبقى شديد النهارده.
ورد فضلت طول الطريق محتفظة بالورقة اللي كتبتها أمها بخط إيدها، مطبقة جوه جاكيتها. مش لأنها ناوية توريها لياسر المنشاوي، لكن لأنها كانت عايزاها قريبة منها. كانت محتاجة تحس إن خط إيد أمها لسه جنبها، مهما حصل في البلدة دي.
وكل ما المسافة كانت بتعدّي، كانت بتفكر إزاي قطعة أرض واحدة ممكن تشيل كل الوجع ده في نفس الوقت.
وجع أمها، المحفور بحبر باهت على ورقة قديمة.
ووجع أبو سليم، اللي فضل مدفون تحت صمت استمر خمستاشر سنة، لحد ما الحقيقة ظهرت، وطلعت أبسط وأحزن بكتير من الحكاية اللي سليم ورثها.
ووجع عماد، اللي كان حاد لدرجة إنه كاد يدمّر صداقة قبل ما تبدأ أصلًا.
ودلوقتي، وجع ياسر المنشاوي؛ الهادي والضعيف، لكنه مش أقل حقيقة من وجع أي حد فيهم. وجع راجل فاهم، حتى لو في مكان عميق جواه، إن الراحة اللي عاش فيها اتبنت على خسارة حد تاني.
لأن دي كانت الحقيقة اللي محدش بيتكلم عنها لما يتعلق الأمر بالجروح القديمة، زي ما فكرت ورد.
الجروح القديمة مش بتفضل في مكانها. بتتنقل من جيل لجيل، ومن قطعة أرض للتانية، لحد ما تلاقي نص المنطقة عايش فوق حزن ناس تانية، من غير ما حد يدرك ده بشكل كامل.
وده معناه إن فك التشابك ده مش هيكون سهل.
لكن ورد عمرها ما عرفت تختار الطريق السهل، ولا مرة واحدة في حياتها. ولا مرة خلال ستة وعشرين سنة. من يوم ما اتولدت، وهي شايلة في ملامحها خليط من عالمين، ناس كتير كانت مصممة إنهم ما ينفعش يجتمعوا في وش واحد.
ورد بصت لسليم اللي كان راكب جنبها، ثابت في طريقه، وفكّه مشدود بنفس الإصرار الهادي اللي بدأت تعرف إنه أكتر حاجة حقيقية فيه.
قالت له:
«مهما ياسر يقول، ومهما نكتشف في بلدة السواقي، ده مش هيرجّع لعيلة أمي اللي خسروه.»
سليم رد بهدوء:
«لأ، مش هيرجّعه.»
وبعدين بص لها وقال:
«بس ممكن يمنع إن نفس الظلم يتكرر مرة تانية.»
سكت لحظة، وكمل بنبرة واثقة:
«وده يستاهل إننا نقطع عشانه كل المسافة دي.»
وكملوا طريقهم سوا، ناحية المجهول اللي مستنيهم، وناحية راجل خايف، وتوقيع مزوّر، ودَين ملوش علاقة بالفلوس قد ما له علاقة بالحقيقة.
وفي نفس الوقت، وراهم، في عزبة الشهاوي، كانت الحيطة المحروقة في مخزن الغلال واقفة زي تحذير أسود وواضح، بيقول إن فارس المنياوي لسه ما خلصش محاولاته للاستيلاء على حاجة مش من حقه.
هيحاول تاني.
ورد كانت متأكدة من ده تمامًا، بنفس الطريقة اللي الواحد بيحس بيها إن العاصفة جاية من السكون الغريب اللي بيسبقها.
لكن للمرة الأولى من يوم ما محكمة في بلد بعيدة حكمت لها بأربعين قرش بس وسمّت ده عدل، ورد ما كانتش داخلة العاصفة لوحدها.
بلدة السواقي ما كانتش بلدة كبيرة.
شارع واحد، وقهوة قديمة ميلة ناحية الغرب، كأنها استسلمت من سنين لمحاولات إنها تفضل واقفة بشكل مستقيم. وكان فيه إسطبل للخيول، وكنيسة قديمة، لون دهانها بقى شبه العضم الباهت من كتر السنين.
لقوا ياسر المنشاوي في تاني مكان دوروا عليه فيه.
وده، زي ما فكرت ورد بمرارة، كان بالضبط المكان اللي غالبًا هتلاقي فيه راجل خايف من مواجهة الحقيقة: قاعد لوحده على ترابيزة بعيدة جوه القهوة، وقدامه زجاجة شراب قربت تفضى أكتر ما هي مليانة، رغم إن الساعة ما كانتش لسه وصلت للضهر.
رفع ياسر عينيه أول ما قربوا منه.
بص لسليم الأول بحذر واضح، بنفس الطريقة اللي الرجالة بيبصوا بيها لبعض لما يشكوا إن اللي قدامهم ممكن يكون مصدر مشاكل.
وبعدين بص لورد.
وفي اللحظة دي، ملامحه اتغيرت.
ورد شافت التغيير بعينيها. شافت اللحظة اللي بدأ فيها يتعرف عليها بالطريقة اللي الست فاطمة شافتها بيها قبل كده، وبالطريقة اللي نص أهل بلدة النخيل بقوا يبصولها بيها خلال الأسابيع اللي فاتت.
نظرة تعرّف، وبعدها إعادة حسابات.
لكن المرة دي، النظرة ما كانش فيها شك أو ريبة.
كان فيها ذنب.
قال ياسر بصوت واطي:
«إنتِ… ورد؟»
ما كانتش نبرة سؤال كامل، قد ما كانت تأكيد لحاجة كان خايف إنها تطلع حقيقية.
وبعدين أضاف:
«الست اللي بتطبخ في عزبة الشهاوي.»
ورد ردت بهدوء:
«أنا ورد البدراوي.»
وسحبت الكرسي اللي قدامه وقعدت من غير ما تستنى منه يدعوها.
قالت:
«أهل أمي كانوا شغالين في الأرض الشرقية… قبل المصيبة اللي حصلت.»
إيد ياسر اتشدت حوالين الكوباية اللي قدامه.
ورد كملت بنبرة هادية، من غير قسوة، لكن بثقة واضحة:
«أنا أعتقد إنك عارف عني أكتر ما إنت عايز تعترف بيه.»
ياسر ما ردش.
فقالت:
«أعتقد إن الحكاية دي بقالها سنين قاعدة جوا صدرك، لدرجة إنك اتعودت عليها، وبقيت حاسس إنها جزء منك، مش حاجة إنت شايلها وبتحاول تهرب منها.»
ما جاوبش، لكنه برضه ما قامش ومشي.
وورد فهمت إن ده في حد ذاته كان نوع من الإجابة.
بعد وقت طويل، ياسر اتكلم أخيرًا.
قال بصوت واطي لدرجة إنها اضطرت تميل ناحيته عشان تسمعه:
«جدي… الحاج سليمان المنشاوي… عمره ما وقّع أي ورقة مع أبو فارس المنياوي.»
سكت، وبص للكوباية كأنه مستني منها تقوله يكمل إزاي.
وبعدين قال:
«جدي رفضه مرتين، لأنه لو وافق على الاتفاق ده، كان هيضطر يتنازل عن حقوق الميه اللي كانت بتمر من الأرض.»
رفع عينيه للحظة، ثم رجع بص للكوباية.
«أنا عارف ده لأنه حكاهولي بنفسه قبل ما يموت. حكاهولي كأن الموضوع مهم جدًا… وكأن الحفاظ على الحقيقة أهم عنده من الأرض نفسها.»
سليم، اللي كان واقف ورا كرسي ورد، سأله بصوت هادي:
«أمال إنت ساكت ليه؟»
ياسر حرّك فكه بتوتر، كأنه بيحاول يلاقي الكلمات المناسبة.
قال:
«لأن لو اتثبت إن الورقة مزوّرة، وادعاء فارس بطل، كل الموضوع القديم ده هيتفتح من جديد.»
سكت لحظة، وبعدين كمل:
«وساعتها هيدققوا في كل حاجة… حتى الأرض اللي أنا عايش عليها دلوقتي، واللي عيلتي اشترتها بسعر قليل وقت ما أهل أمك خسروا أرضهم يا ورد.»
رفع عينيه ناحيتها، وكانت مليانة دموع وخجل وتعب، تعب مالوش علاقة بالشراب.
قال:
«الأرض دي كمان هتدخل في التحقيق. وأنا ما عنديش حاجة تانية. لا حرفة أعيش منها، ولا أرض غيرها.»
بلع ريقه بصعوبة، وكمل:
«لو الأرض دي راحت مني، مش هيفضل عندي أي حاجة أقف عليها. ولا مكان أروح له.»
ورد حست إن حاجة جوا صدرها اتشقّت؛ لأنها عرفت الخوف اللي بيتكلم عنه، وعرفته من جواها.
الخوف من إن ما يبقاش عندك مكان تروح له.
هي عاشت الإحساس ده ست شهور كاملة. أربعين قرش في جيبها، ومطبخ اتحرق وراها، وحياة كاملة اختفت في لحظة.
قالت له:
«أنا فاهمة الخوف ده أكتر مما تتخيل يا ياسر.»
وبصت له مباشرة، وكملت:
«أنا عشت جواه. والخوف لما بيتمكن منك، ما بيسيبش مساحة كبيرة لأي حاجة تانية، صح؟ لا للحقيقة، ولا حتى لاسمك الحقيقي في بعض الأيام.»
ياسر بص لها بدهشة، كأنه مش متعود إن حد يفهمه بدل ما يحكم عليه.
ورد كملت، وصوتها بقى أهدى، رغم إن كلامها كان واضح وحاسم:
«بس عايزة أقولك حاجة اتعلمتها بنفسي. الخوف مش بيختفي لمجرد إنك تسكت.»
هزت راسها ببطء، وكملت:
«هو بس بيغيّر مكانه. بدل ما تخلص منه، تلاقيه بينام معاك، ويفضل عايش في إيديك، وفي كل تصرف بتعمله.»
وبصت للزجاجة اللي قدامه.
«وفي أي حاجة بتستخدمها عشان تهرب من إحساسك بيه.»
الصمت نزل بينهم طويلًا.
القهوة القديمة كانت بتصدر أصوات خفيفة مع هبوب الهوا، وفي مكان قريب، كانت فيه دبانة بتخبط في شباك مغطى بالتراب.
أما ياسر المنشاوي، فكان قاعد قدامهم، وحياته كلها متعلقة بقرار واحد، قرار بقاله أسابيع بيهرب منه.
ورد قالت أخيرًا:
«سليم الشهاوي مش عايز أرضك يا ياسر، وأنا كمان مش عايزاها.»
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
«اللي حصل لعيلة أمي مش هقدر أغيّره، ومش هكدب عليك وأقول إن اعترافك هيصلّح كل حاجة.»
صوتها اتملأ بوجع هادي وهي بتقول:
«فيه أحزان ملهاش حل. وفيه حاجات مهما حاولنا، مش هنقدر نرجّعها زي ما كانت.»
بصت له بثبات، وأضافت:
«لكن نقدر نمنع إن نفس الظلم يحصل لحد تاني.»
إيد ياسر بدأت ترتعش حوالين الكوباية.
رفع عينيه وسألها بصوت بالكاد اتسمع:
«إنتِ عايزة مني إيه؟»
ورد ردت من غير تردد:
«الحقيقة. تقولها بصوت عالي قدام القاضي. ده كل اللي أنا عايزاه.»
وبعدين بصت لسليم، ورجعت كملت:
«أما اللي هيحصل بعد كده بخصوص أرضك وعيلتك، فسليم هيضمن إن الموضوع يتعالج بالعدل، مش كده؟»
سليم تقدم خطوة، وحط كفه على الترابيزة.
وقال بثقة:
«عندك كلمتي يا ياسر. مهما كان قرار المحكمة بخصوص قطعة الأرض القديمة، أنا هتأكد إن عيلتك ما تترميش في الشارع بسبب اللي حصل.»
سكت لحظة، ثم أضاف بجدية:
«وده وعد مني، مش مجرد مجاملة.»
ياسر فضّل يبص لهم بالتبادل وقت طويل.
عينيه كانت مليانة دموع، وإيديه لسه بتترعش.
وبعدين، ببطء شديد، كأن حاجة جواه كانت متجمّدة من سنين وبدأت أخيرًا تتحرر، هز راسه بالموافقة.
قال:
«ماشي.»
أخد نفس عميق، وبعدين كرر:
«ماشي… هقول الحقيقة كلها. مهما كان تمنها.»
ورد طلّعت نفس طويل، وما كانتش واخدة بالها إنها حابساه من ساعة ما العربية اتحركت من العزبة الصبح.
لأن ده كان صوت باب أخيرًا بيتفتح.
بعد أسابيع من الحيطان المقفولة، وبعد حريق وإشاعات، ووجع راجل عجوز، وقسوة غريب متخفية في شكل حسن الجوار.
باب اتفتح أخيرًا.
لكن ورد ما كانتش لسه عارفة هي هتدفع إيه عشان تعدّي منه.
يتبع


