سليم الشهاوي وورد البدراوي ج١

إنتي مين؟ همس سليم الشهاوي بعد ما داق الأكل اللي طبخته ورد البدراوي.
البنت اللي وصلت عزبة الشهاوي ومعاها أربعين جنيه وكتاب وصفات أمها.
في ليلة سودا من ليالي الصعيد، النار كانت بتاكل مخزن الغلال في عزبة الشهاوي.
ألسنة اللهب البرتقالية كانت بتطلع لفوق، وتلتهم الحيطان الخشب واحدة ورا التانية. صوت الرجالة مالي المكان، وكل واحد بيجري بجردل مية علشان يلحق ينقذ اللي باقي.
وسط الدوشة دي، كان فيه شخص بيجري ناحية النار، من غير ما يتردد ولا حتى يصرخ من الخوف.
لكن السؤال اللي محدش كان عنده إجابة عليه هو: مين اللي ولّع النار؟
جنب أساسات المخزن، كانت فيه خرقة نصها محروق، وريحة الكيروسين لسه طالعة منها. مكانها كان غريب، بعيد عن أي نار ممكن تكون وصلت له لوحدها.
والهوا بدأ يقوى، والشرر بقى بيتطاير في السما السودا، والظلال بتتحرك على أطراف ساحة العزبة، كأن فيه حد واقف بيراقب كل حاجة بتحصل.
فجأة، حيطان المخزن أصدرت صوت تكسير مرعب، وبدأت تميل لجوه.
وفي آخر الطريق الترابي الطويل، ظهر تلاتة فرسان خارجين ببطء من وسط الدخان، بيتقدموا ناحية بوابة العزبة بثبات، كأنهم عارفين بالضبط هما رايحين فين.
لكن قبل ما النار تشتعل، وقبل ما الفرسان التلاتة يظهروا، كانت حكاية تانية بدأت على طريق ترابي بعيد.
حكاية بنت اسمها ورد البدراوي.
العربية اللي كانت بتنقل ورد نزلتها على بُعد حوالي تلاتة كيلومترات من بوابة عزبة الشهاوي.
السواق قال لها إنه مش متفق معاه إنه يروح أبعد من كده.
قالها بسرعة، وكأنه مستني طول الطريق اللحظة اللي يخلّص فيها منها.
ورد ما جادلتوش.
نزلت بهدوء، وعدّلت حزام شنطتها الجلد، وضمّت لحضنها شنطة قماش منسوجة كانت أمها سايباها لها.
بقالها حداشر يوم وهي ماسكاها بنفس الطريقة.
من يوم ما خرجت من إسكندرية، ومن يوم الحريق، ومن اليوم اللي حياتها كلها اتقلبت فيه.
لأن لما الإنسان ما يتبقاش له حاجة في الدنيا، بيتمسك باللي باقي له بكل قوته.
واللي كان باقي لورد ماكانش كتير.
أربعين جنيه في جيبها، وخطاب مطوي عليه اسم واحد، وكتاب وصفات قديم لسه محتفظ بريحة مطبخ أمها.
حتى بعد ما النار أكلت البيت والمطبخ، وحتى بعد ما فقدت كل حاجة كانت بتفكرها بحياتها القديمة، فضلت ماشية.
كانت بتعد خطواتها وهي ماشية، لأن العدّ كان بيشغل دماغها عن الذكريات اللي بتحاول تهرب منها.
لكن الذكريات كانت أقوى.
وشّ عمها، حامد المنشاوي، وهو قاعد في مكتب المحامي.
والابتسامة اللي ظهرت على وشه وهو بيمضي الأوراق اللي خلّت مطعم أبوها ملكه.
المطعم اللي أبوها تعب عمره كله علشانه.
والحياة اللي بناها بإيده.
كل ده بقى ملك عمها في لحظة واحدة.
أما هي، فبقت مجرد بنت أخ مالهاش حق في أي حاجة، ولا حتى اسم تقدر تدافع بيه عن نفسها قدام المحاكم.
لكن كان فيه اسم واحد لسه ممكن يفتح لها باب جديد.
سليم الشهاوي.
سمعت الاسم ده من ست اسمها نعيمة الفرّانة، في مطبخ نُزل صغير، من حوالي تلات أسابيع.
كانت ورد وقتها قاعدة قدام فنجان قهوة بارد، ونعيمة بتبصلها بنظرة فيها تعاطف، من غير ما تحاول تعرف أكتر من اللي ورد مستعدة تحكيه.
قالت لها نعيمة:
عزبة الشهاوي من أكبر عزب تربية المواشي في المنطقة. سليم فقد الطباخ بتاعه، وعايز حد يعرف يطبخ كويس وما يخافش بسهولة.
ورد رفعت عينيها وقالت:
أنا مش بخاف بسهولة.
نعيمة فضلت باصة لها شوية، وبعدها مسكت ورقة وكتبت لها خطاب توصية.
وده كان كل اللي ورد محتاجاه علشان تبدأ من جديد.
دلوقتي، وهي ماشية آخر مسافة ناحية العزبة، كانت الشمس فوق رأسها حامية، والسما واسعة بشكل يخلي الإنسان يحس إنه صغير قوي قدام الدنيا.
لكنها افتكرت كلام أمها.
الأرض مش بتعتذر لحد.
ولا بتشرح نفسها.
هي بس بتكمل طريقها.
وورد قررت إنها تعمل زيها.
وصلت ورد للبوابة بعد الضهر بشوية.
كان واقف عندها راجل ضخم، وشّه محروق من الشمس، وملامحه بتقول إنه قضى عمره كله في الشغل تحت السما المفتوحة.
بصلها من فوق لتحت، بالنظرة اللي الرجالة بتبص بيها على حد لسه مش عارفين يثقوا فيه ولا لأ.
لا كان عدواني، ولا كان مرحّب بيها.
كان مستني يسمع هي عايزة إيه.
قال بلهجة جافة:
عايزة إيه؟
ردت ورد بثبات:
جاية علشان شغل الطباخة. اسمي ورد البدراوي، ومعايا خطاب من الست نعيمة الفرّانة.
أول ما سمع اسم نعيمة، ملامحه اتغيرت بشكل بسيط.
تغيير صغير، لكنه ما فاتش على ورد.
بص لها مرة تانية وقال:
نعيمة هي اللي بعتاكي؟
أيوه.
فضل يبصلها شوية أطول من اللازم. بص على الجزمة اللي كعبها الشمال كان مستهلك، وعلى الشنطة اللي ضاماها لصدرها، وبعدين ركّز في وشها.
كانت ورد عارفة النظرة دي كويس.
نظرة الناس لما يحاولوا يفهموا أصلها من ملامحها، ولما يحتاروا يحطوها في أنهي خانة.
أبوها كان من أصول مكسيكية، وأمها كانت من عيلة فريد البدوية، وده كان كفاية يخلي ناس كتير تبص لها وكأنها لغز لازم يتحل.
لكن ورد اتعلمت من زمان إنها ما تبررش نفسها لأي حد.
الراجل قال لها:
استني هنا.
واختفى جوه البوابة.
ورد فضلت واقفة مكانها.
عدّت دقيقة.
وبعدين اتنين.
وبعدين خمسة.
كانت بتعدّ الوقت زي ما كانت بتعدّ خطواتها على الطريق.
بعد حوالي اتناشر دقيقة، الراجل رجع وفتح البوابة.
قال لها:
الأستاذ سليم هيقابلك. البيت فوق التل.
دخلت ورد العزبة.
وأول حاجة لاحظتها كانت الأسوار اللي متصلحة بعناية، والماشية اللي شكلها صحي، والأرض اللي واضح إن فيه حد لسه بيهتم بيها رغم كل الظروف.
وبعدين شافت البيت الكبير.
بيت من دورين، قدامه شرفة خشبية واسعة، لكن الدهان كان بيتقشر من الحيطان في شرائط طويلة.
كان واضح إن البيت ده في يوم من الأيام كان مليان حياة، وإن صاحبه كان بيهتم بكل تفصيلة فيه.
لكن حاجة اتغيرت.
البيت ما بقاش مهمل بالمعنى المعتاد.
كان بس تعبان.
كأنه شايل هموم أكتر من اللي يقدر يستحملها.
ورد فهمت الإحساس ده، لأنها كانت حاساه جواها من شهور.
قبل ما توصل لأول درجة في الشرفة، الباب اتفتح.
وظهر سليم الشهاوي.
سليم كان أطول مما توقعت.
جسمه نحيف وقوي، مش بسبب الجوع، لكن بسبب سنين طويلة من الشغل والمجهود.
شعره بني غامق، وفيه خصلات رمادي بدأت تظهر عند الجانبين رغم إنه ماكانش عدى خمسة وتلاتين سنة بكتير.
وعينيه رماديتين، هاديتين، لكن ورا الهدوء ده كان فيه حذر واضح.
كان من النوع اللي اتعلم يبص للمشاكل بدل ما يبص للناس.
يمكن لأن المشاكل مش بتطلب منك تحبها، ولا بتخليك تخاف إنك تخسرها.
مسك خطاب نعيمة بإيده وقال:
الآنسة ورد؟
ردت:
أيوه يا أستاذ سليم.
قال وهو بيطوي الخطاب:
نعيمة بتقول إنك أحسن طباخة قابلتها خلال عشرين سنة من شغلها في النُزل.
ورد ردت بهدوء:
الست نعيمة مش من النوع اللي بيقول كلام مش مقتنعة بيه.
سليم هز راسه.
لأ، فعلًا مش من النوع ده.
سكت لحظة.
وكان واضح إنه بيفكر يسأل سؤال، لكنه مش متأكد إذا كان المفروض يسأله دلوقتي ولا لأ.
وفي الآخر، قرر يسأل.
أهلك أصلهم منين يا آنسة البدراوي؟
ورد كانت متوقعة السؤال ده، لكنها ماكنتش متوقعة إنه ييجي بالسرعة دي.
كانت فاكرة إنه ممكن يسألها بعد أسبوع، أو بعد ما تتعامل مع الناس في العزبة.
لكن مش من أول دقيقة.
ردت:
أبويا كان عنده مطعم في إسكندرية.
كانت إجابة حقيقية، لكنها ماكنتش الإجابة اللي هو بيدور عليها.
سليم ما استعجلهاش.
فضل ساكت، مستني تكمل لوحدها.
وده خلّاها تلاحظ حاجة غريبة فيه.
معظم الرجالة كانوا بيحاولوا يملوا أي لحظة صمت بالكلام، حتى لو كلام مالوش لازمة.
لكن سليم كان بيسيب الصمت ياخد وقته.
وأخيرًا، ورد قالت:
أمي كانت من عيلة فريد البدوية.
حست إنها لازم تقول الحقيقة بنفسها، قبل ما حد تاني يقولها بطريقة مختلفة.
سليم بص لها، وظهر في عينيه شيء سريع ما قدرتش تفهمه.
لكنه ما قالش أي كلمة جارحة، ولا سألها أسئلة زيادة.
اكتفى بأنه قال:
تمام.
كلمة واحدة.
من غير ترحيب مبالغ فيه، ومن غير رفض.
وورد ما عرفتش إذا كانت ترتاح للكلمة دي ولا تقلق منها أكتر.
سليم غيّر الموضوع وقال:
عندي واحد وتلاتين راجل لازم ياكلوا تلات وجبات كل يوم. المطبخ بيبدأ الساعة أربعة ونص الصبح، وآخر وجبة الساعة سبعة بالليل. المرتب اتناشر جنيه في الشهر، مع السكن والأكل.
ورد هزت راسها.
مفهوم.
قال لها:
الطباخ اللي كان عندي قعد هنا تسع سنين.
ردت فورًا:
أنا بطبخ من وأنا عندي اتناشر سنة.
بص لها باهتمام.
فكملت:
مش بتكلم عن طبخ على نار مخيم. أنا اشتغلت في مطبخ حقيقي، في مطعم بيقدم أكتر من مية وجبة في الليلة، والشغل فيه ماكانش بيقف لحد نص الليل.
رفعت دقنها شوية.
أقدر أطعم واحد وتلاتين راجل من غير مشكلة.
سليم فضل يدرس ملامحها للحظات.
وبعدين قال:
وجبة واحدة.
ورد عقدت حواجبها قليلًا.
فشرح:
الليلة هتطبخي لواحد وتلاتين راجل من الموجود في مخازن العزبة. لو الأكل عجبني، نتفق على الشغل. ولو ما عجبنيش، هحاسبك على يومك وأرجعك للبلدة. اتفقنا؟
ورد كانت لسه هتتحرك ناحية المطبخ لما سمعته بيضيف:
الرجالة هنا بتشتغل طول اليوم. بيوصلوا للعشا وهم مرهقين. هم مش محتاجين أكل يملا بطونهم وبس. محتاجين أكلة تحسسهم إن فيه حاجة لسه تستاهل إنهم يرجعوا علشانها.
ورد بصت له للحظة.
وفكرت إن الراجل ده فاهم عن الأكل أكتر مما هو نفسه متخيل.
قالت:
أنا عارفة الفرق كويس. اتربيت وأنا بتعلمه.
سليم كان واضح إنه عايز يقول حاجة تانية، لكن في الآخر سكت، ولفّ ودخل البيت.
أما ورد، فوقفت في ساحة العزبة وسط الحر، وبصت للسما الواسعة.
وفكرت:
يا إما دي أكبر غلطة عملتها في حياتي، يا إما دي آخر فرصة لسه الدنيا سايباهالي.
وبعدين اكتشفت إن الفكرة دي هي نفسها اللي كانت بتفكر فيها كل مرة تدخل مطبخ جديد خلال الست شهور اللي فاتوا.
المطبخ كان فوضى.
لكن فوضى من النوع اللي وراها أساس كويس.
ورد عرفت ده من أول نص دقيقة.
كان فيه قدور حديد ضخمة، وفرن خشب قديم، وأرفف مليانة أواني وأدوات مرتبة بنظام ما يفهموش غير الشخص اللي كان شغال هنا قبل كده.
كان قدامها أربع ساعات بس.
وهي ما ضيعتش ثانية واحدة.
بدأت بالخبز.
لأن العجين محتاج وقت علشان يختمر، ولأن رغيف العيش الطازة قادر يغيّر مزاج مكان كامل قبل ما أي طبق تاني يوصل للمائدة.
وأثناء ما العجين كان بيختمر، راحت للمخزن البارد.
هناك لقت لحمة بقري ممتازة، من النوع اللي ما يجيش غير من عزبة صاحبها مهتم بتربية المواشي وبيعرف قيمة كل قطعة فيها.
طلعت اللحمة، وبدأت تجهز الخضار والتوابل.
لكن وهي بتشتغل، عقلها رجع لأمها.
افتكرت إيديها وهي بتعجن، وصوتها الهادي وهي بتشرح لها إن الطبخ مش مجرد مقادير ونار.
كانت أمها دايمًا تقول لها:
تقدري تطعمي أي إنسان أي أكلة، لو فهمتي هو محتاج إيه بجد.
وورد وقفت لحظة وسط المطبخ الغريب، وسألت نفسها:
الرجالة دول محتاجين إيه؟
مش إيه اللي نفسهم ياكلوه.
لكن إيه اللي محتاجينه فعلًا؟
كانوا رجالة متعبين، بعيد عن بيوتهم، وعن أي حاجة تفكرهم بالراحة والأمان.
وكان فيه راجل واحد على رأس المائدة، حاسّة إنه شايل حزن أكبر من الباقيين.
سليم الشهاوي.
هي لسه ما كانتش تعرف إيه اللي حصل له، لكنها شافت الحزن في كتافه، وفي الطريقة اللي بيتحرك بيها، وفي عينيه اللي بتحاول تبعد عن أي حاجة ممكن تقرّبه من الناس.
فقررت تطبخ لهم زي ما أمها كانت بتطبخ للناس اللي بيدخلوا مطعمها.
مش علشان يشبعوا وبس.
لكن علشان يحسوا إنهم مش لوحدهم.
الساعة كانت ستة وخمسة وأربعين دقيقة، وريحة الأكل بدأت تملأ البيت كله.
قبل ما ورد تشوف أول راجل داخل، سمعت صوت خطوات بتبطّأ عند الباب.
وصوت كلام بيتقطع في نص الجملة.
كان واضح إن الريحة عملت شغلها.
واحد وتلاتين راجل دخلوا قاعة الطعام، واحد ورا التاني.
ورد كانت مجهزة المائدة بالطريقة اللي أمها علمتهالها.
ما قسمت الأكل لأطباق فردية صغيرة.
حطت الأطباق الكبيرة في نص الطاولة، وخلّت كل واحد يمد إيده وياخد اللي عايزه.
العيش الطازة، واللحمة المتبّلة، والخضار المطبوخ، والأطباق اللي اتجهزت بعناية.
كانت عايزاهم يتشاركوا الأكل، ويتكلموا مع بعض، ويحسوا إنهم قاعدين على مائدة واحدة، مش مجرد مجموعة رجالة بتاكل في صمت بعد يوم شغل طويل.
أول واحد مد إيده ناحية العيش.
قطع حتة كبيرة، وحطها في بقه.
وبعدين وقف عن المضغ.
بص للعيش.
وبص لورد.
وقال:
يا ست…
ما كملش.
ورد ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
اتفضل، كُل.
وفي اللحظة دي، القاعة كلها سكتت.
مش سكوت الملل، ولا سكوت الناس اللي مش لاقية كلام تقوله.
كان سكوت من نوع تاني.
السكوت اللي بيحصل لما حاجة بسيطة تفاجئك لدرجة إنك تنسى تتكلم.
نفس النوع اللي كانت أمها بتقدر تعمله في مطعمها لما كل حاجة تطلع مظبوطة، ولما الأكل يبقى أحلى من أي كلام ممكن يتقال عنه.
وبعد لحظات، الرجالة بدأوا ياكلوا.
واحد طلب من اللي جنبه يناوله طبق اللحمة.
والتاني سأله عن الخضار.
وبعدين بدأت الأحاديث الخفيفة تظهر بين المقاعد، وبعدها ضحكة عالية خرجت فجأة من آخر الطاولة.
ضحكة حقيقية.
ضحكة راجل واضح إنه نسي صوت ضحكته من فترة طويلة.
ورد وقفت عند طرف القاعة، وفضلت تراقبهم.
ولأول مرة من ست شهور، حست إن فيه حاجة جوا صدرها بدأت تهدى.
يمكن لأول مرة من وقت ما فقدت كل حاجة، حست إنها لسه بتعرف تعمل حاجة ليها قيمة.
لكن في اللحظة دي، لمحت سليم واقف عند باب القاعة.
كان ساكت تمامًا، وبيبص لرجالته.
مش للأكل.
كان بيراقب الطريقة اللي بيتكلموا بيها مع بعض، والطريقة اللي بدأوا يميلوا فيها ناحية بعض بدل ما كل واحد يفضل قاعد لوحده.
وكان واضح إنه خايف يصدق اللي بيشوفه.
فضل واقف حوالي نص دقيقة، وبعدها دخل ومشى على طول الطاولة.
ولما وصل لورد، مد إيده من غير مقدمات، وأخذ قطعة من العيش الطازة.
حطها في بقه.
ومضغ ببطء.
وبعدين وقف مكانه.
كأن الطعم رجّعه للحظة قديمة كان فاكر إنه نسيها للأبد.
رفع عينيه ناحية ورد.
ولأول مرة من ساعة ما قابلها، اختفى الحذر من ملامحه للحظة.
وقال بصوت واطي:
آنسة ورد… مين اللي علّمك تطبخي بالشكل ده؟
ورد، من غير ما تحس، حطت إيدها على شنطة أمها اللي كانت مخبياها في جيب المريلة.
كانت حركة تلقائية.
زي ما الإنسان بيمسك إيد شخص غالي عليه لما يحس إنه محتاجه.
ردت بهدوء:
أمي.
سليم فضل باصص لها فترة طويلة.
كان فيه شيء في عينيه المرة دي، شيء مختلف عن الحذر اللي شافته أول ما فتح الباب.
شيء أقرب للحنين.
أو يمكن لذكرى قديمة رجعت له فجأة.
قال:
واضح إنها علّمتك كويس.
ورد ردت:
أيوه. علّمتني كويس.
حط سليم قطعة العيش على الطاولة، وبعدين قال:
الشغل بقى شغلك يا آنسة البدراوي، لو لسه عايزاه.
ورد ما احتاجتش تفكر حتى لثانية واحدة.
عايزاه.
هز راسه.
تمام.
لفّ علشان يمشي، لكنه وقف بعد خطوتين، وبص لها من فوق كتفه.
وقال:
بكرة هكون مستنيكي الساعة أربعة الصبح.
ولأول مرة، ظهر على وشه شيء يشبه الابتسامة.
ابتسامة صغيرة جدًا، بالكاد اتلاحظت.
لكن ورد لاحظتها.
وما كانتش تعرف وقتها إنها هتفتكر الابتسامة دي طويلًا.
لأنها ما كانتش مجرد ابتسامة راجل عجبه الأكل.
كانت أول علامة على إن حياتها الجديدة بدأت فعلًا.
لكن اللي ورد ما كانتش تعرفه إن النار اللي هتشتعل في عزبة الشهاوي بعد كده، مش هتكون أخطر حاجة تهددها… وإن سليم نفسه هيكون عنده أسرار ممكن تغيّر كل اللي صدقته عن الماضي.
يتبع في الجزء الثاني…
كان المفروض ورد تعرف إن الأمور مش هتفضل سهلة، لأن مفيش حاجة في حياتها فضلت سهلة
عرفت حكاية مدام الشهاوي في الليلة الرابعة، مش من سليم، لكن من واحد من شباب العزبة اسمه راضي، اللي حكى لها الموضوع بالطريقة اللي الشباب بيحكوا بيها حاجات استوعبوها من غير ما حد يقولها لهم بشكل مباشر.
قال راضي وهو بيشاور ناحية ألواح الشرفة اللي دهانها بيتقشر:
«الشرفة دي كان فيها زهور زمان. مدام الشهاوي كانت بتزرعها. صف كامل كل ربيع.»
قال الكلام بحذر، كأنه بيتعامل مع حاجة قابلة للكسر.
وكمل: «بقالها خمس سنين متوفية. الحمى خطفتها فجأة، في نص الصيف. والأستاذ سليم من ساعتها ما سمحش لحد يلمس الشرفة دي. مش راضي يدهنها.»
«ومش راضي يشيل أحواض الزرع القديمة كمان. سايبها زي ما هي.»
بعد ما سمعت الكلام ده، ورد بصّت لأشرطة الدهان الطويلة الباهتة اللي بتتقشر بعين مختلفة.
ماكانش إهمال، قد ما كان نصب تذكاري.
راجل مش قادر يستحمل إنه يمحي الحاجة اللي مراته بنتها، وفي نفس الوقت مش قادر يستحمل إنه يحافظ عليها.
فقرر يسيب الزمن يعمل الحاجة اللي هو مش قادر يعملها بنفسه.
فضلت ورد تفكر في الموضوع وقت طويل، وهي واقفة في الساحة وشايلة جردلين مية، واحد في كل إيد.
فكرت في النوع الخاص من الحزن اللي مش بيعلن عن نفسه.
الحزن اللي بيقعد ساكت في ألواح شرفة لمدة خمس سنين، مستني حد يلاحظه أخيرًا.
هي كانت فاهمة النوع ده من الحزن.
لأنها كانت شايلة حزنها هي كمان، مطبّقاه جوه كتاب وصفات بدل ما يكون مزروع في حوض زهور.
الحكاية حصلت في الأسبوع التاني.
جه مشتري مواشي اسمه الحاج منصور، راجل ضخم الجسم، جاي من بلد بعيدة علشان يعاين مواشي سليم اللي اتربّت في الموسم.
ورد قدّمت له العشا زي باقي الناس، وملأت له فنجان القهوة زي باقي الناس، ومافكرتش في الموضوع أصلًا، لحد ما رفع عينه وبصلها.
بصلها بجد.
مش النظرة المهذبة اللي الرجالة بيبصّوها للطباخة، لكن نظرة من نوع تاني.
قال: «إنتِ بنت عيلة البدراوي.»
ماكانش سؤال.
ردت بحذر: «أنا الآنسة البدراوي.»
قال: «لأ، قصدي إني عارف الوش ده.»
حط الشوكة ببطء، وضيّق عينيه كأنه بيحاول يفتكر ذكرى لسه مش واضحة بالكامل.
قال: «كان فيه عيلة بدوية عايشة قريب من النيل، عيلة فريد. حصلت معاهم مشكلة كبيرة على الأرض. ده كان من حوالي خمستاشر سنة، على ما أظن. كان فيه راجل اسمه…»
قالت ورد بسرعة زيادة عن اللزوم: «أنا ماعرفش إنت بتتكلم عن إيه.»
سمعت السرعة في صوتها بنفسها.
الحاج منصور فضل مضيّق عينيه وهو بيبصلها، وبيمضغ أبطأ من اللازم.
قال: «همم.»
وبس. مجرد «همم»، كأنه خزّن معلومة لسه ماخلصش تفكير فيها.
ورد اتحركت لباقي الترابيزة، وكملت تقديم الأكل، وحافظت على ثبات إيديها، لأن إيديها كانت الحاجة الوحيدة في جسمها اللي لسه تقدر تتحكم فيها بالكامل.
لكن الكلمة كانت وقعت بالفعل جوه المكان، زي حجر وقع في مية ساكنة.
حسّت بالدوائر اللي اتعملت حواليها، حتى لو ماقدرتش تشوفها لسه، لأن فيه شخص تاني سمع الكلام برضه.
بعد ساعة، سليم لقاها في المطبخ لوحدها.
كانت بتغسل حلل لسه مش محتاجة تتغسل، لكن إيديها كانت محتاجة حاجة تشغلها.
قال من غير مقدمات: «الحاج منصور قالك حاجة على العشا؟»
وده كان واضح إنه أسلوبه: يدخل في الموضوع على طول، من غير تمهيد ولا تلطيف.
قالت ورد: «افتكر إنه يعرفني من مكان قريب من النيل، من زمان.»
سكتت، ولفّت ناحيته.
كان واقف عند باب المطبخ، بنفس الطريقة اللي وقف بيها أول ليلة. دراعاته متقاطعة.
لكن فيه حاجة اتغيرت في ملامحه.
حاجة اتقفلت.
قال ببطء: «خمستاشر سنة.»
قالها كأنه بيحسب حسابات مش عايز يوصل لنهايتها.
كمل: «ده اللي قاله. إنتِ اتولدتي فين يا آنسة البدراوي؟»
وهنا ظهر السؤال الحقيقي اللي كان مستخبي ورا السؤال الأول.
بقت سامعة قصده بوضوح، كأن المسافة الحذرة اللي كانت في صوته اختفت تمامًا.
قالت: «إسكندرية. مطعم أبويا كان هناك.»
وبعدين كملت: «أمي كانت من عيلة فريد اللي عاشت قريب من النيل قبل اللي حصل، قبل المشاكل دي، لأن المشاكل كانت دايمًا موجودة. دايمًا فيه حكاية عن مشكلة بتنتهي بأرض بتتغير ملكيتها، وعيلة بتتشتت، ومحدش بيسجل أبدًا أنهي جزء من الحكاية كان حقيقي.»
سألها بصوت واطي جدًا، وهو ثابت مكانه: «إيه المشكلة اللي حصلت؟»
بصّت له كويس، وفي اللحظة دي فهمت إنها واقفة قدام حاجة قديمة، حاجة مالهاش علاقة بيها هي شخصيًا، وفي نفس الوقت ليها علاقة بيها بالكامل.
قالت بصدق: «أنا ماعرفش الحكاية كلها. كنت طفلة. أمي ماكنتش بتحب تتكلم عن الموضوع. كانت بتقول إن فيه أحزان بنقدر نشيلها بشكل أفضل لما مانفضلش نفتحها من جديد.»
فك سليم اتشد.
عضلة في فكه اتحركت مرة، وبعدين مرة تانية.
قال بنبرة قاطعة: «أبويا مات في نزاع على أرض.»
كلامه كان نهائي، زي باب بيتقفل.
«قريب من النيل. من خمستاشر سنة. وكان النزاع مع عيلة فريد.»
المطبخ سكت تمامًا.
لأن طبعًا.
طبعًا كانت الحكاية بالبساطة دي، وبالقسوة دي في نفس الوقت: إن الاتنين دخلوا حياة بعض من طرفين مختلفين لنفس الجرح القديم، ومحدش فيهم كان يعرف، لحد ما مشتري مواشي عنده ذاكرة قوية بوّظ عشا هادي في يوم تلات عادي.
قالت ورد: «سليم…»
صحّح لها بحدة: «الأستاذ الشهاوي.»
كانت أول مرة يتكلم معاها بالطريقة دي.
سكتت، وفردت ضهرها بالطريقة اللي اتعلمت بيها تقف مستقيمة في كل مطبخ حاول يصغّرها.
قالت بثبات، رغم إن نبضها كان بعيد كل البعد عن الثبات: «أنا ماعملتش أي حاجة لأبوك.»
لأن دي كانت الحقيقة، والحقيقة تستحق إنها تتقال بوضوح.
كملت: «أنا كنت طفلة من خمستاشر سنة. لو عيلتي كان ليها علاقة باللي حصل، فأنا ماعرفش تفاصيله. وإنت كمان، على حد ظني، ماتعرفش كل حاجة. مش الحكاية كلها. إنت عندك بس الجزء اللي حد حكاهولك.»
فضل باصص لها.
قال: «كلام مناسب جدًا لمصلحتك.»
ردت: «لكنه كلام صادق.»
ثبتت عينيها في عينيه وما تراجعتش.
قالت: «من حقك تغضب من حكاية يا أستاذ الشهاوي. لكن ماينفعش تغضب مني بسبب حكاية ماكنتش كبيرة كفاية إني أفهمها وقت ما حصلت.»
سكتوا وقت طويل.
من النوع اللي بيكون له وزن، لدرجة إنك تقريبًا تقدر تسند عليه.
وفي الآخر قال سليم: «من دلوقتي هتعشّى في مكتبي.»
قالها ببرود وحسم، وبعدها خرج.
ورد فضلت واقفة بإيديها المبلولة، وماسكة حلة ماكانتش محتاجة تتغسل، وفكرت: أهو ده الحاجز اللي كنت خايفة ألاقيه.
كانت عارفة، في مكان ما جواها وتحت كل الأمل اللي كان عندها، إن المكان ده مش ممكن يفضل بسيط وجميل بالشكل ده.
مفيش حاجة حلوة فضلت بسيطة في حياتها من زمان. ليه المرة دي تكون مختلفة؟
لكن…
لكن ماكانش عندها مكان تاني تروح له.
والأربعين جنيه اللي كانوا في جيبها بقوا أقل بكتير من أربعين جنيه دلوقتي.
وفوق ده كله، كانت بالفعل فرّغت شنطتها وحطت حاجاتها على الرف الصغير في الأوضة اللي جنب المطبخ.
وبدأت تفكر في الخطاف اللي كانت عايزة تركّبه جنب الشباك علشان تعلّق عليه الفناجين.
وبدأت، يا رب استر، تحس بالأمل.
فنشّفت إيديها وراحت تنام.
وفي الصبح كانت في المطبخ الساعة أربعة بالظبط، لأن مهما كان رأي سليم الشهاوي في أهل أمها، كان لسه فيه واحد وتلاتين راجل محتاجين الفطار، وهي لسه الشخص الوحيد اللي يعرف يجهّزه لهم.




