ايوب وغرام رحمة السيد ج١

رد أيوب بثبات مُدهش:

-مفيش مشكلة يا فندم، مع حضرتك.

-مدام غرام، في ناس جالت إنك كنتي بتزوري المجني عليها في الفترة الأخيرة كذا مرة ؟

قالها الاخر وهو يُدير وجهه نحو “غرام” التي كانت عيناها تستجدي دعمًا من “أيوب” المستكين، فهز رأسه ونظرته القوية الواثقة تُسرب لها دعمًا كان كالبنزين القصير الأمد الذي جعلها تفتح فمها مجيبة بخفوت شديد:

-ايوه كنت بروحلها عشان بخيطلها هدوم چديدة.

وما أن سألها بنفس النبرة العادية:

-طب أخر مرة شوفتيها امتى؟

بدأت الدماء تغادر وجهها شيئًا فشيء، ولكن رغم ذلك أنصفها لسانها حين ادعى هدوء غير مملوك:

-مش فاكرة امتى بالظبط، بس هو من كام يوم تجريبًا جبل ما تتوفى بتلات أيام.

هكذا استمرت وصلة الاسئلة القصيرة من الضابط وسط مجهود جبار من “غرام” لتبدو ثابتة بينما هي في الداخل تنهشها مخالب الخوف والقلق.

وأخيرًا غادرت مع أيوب وعادا لمنزلهما، في ظل صمت كئيب مشحون أطبق على الأجواء، جلست غرام على أول أريكة رأتها وشعرت بجسدها ينهار كما حالها كله… الضغط كان كبير، كبير بشكل لا تتحمله هشاشتها، هي لطالما كانت تسير جوار الحائط لا تدوس حتى على ظل أحدهم، لِمَ كُتب عليها أن يسقط فوقها ذلك الحائط مُهشمًا إياها بضراوة ؟!

جلس “أيوب” جوارها، رصدت عيناه انهيارها المتمثل في ارتعاشة جسدها.. فرأى نفسه فيها، وكأن الزمن أعاده لنقطة سوداء يكرهها، حين كان منهارًا هكذا وهو يخسر والدته بسبب المرض.. وحيدًا هكذا.. حتى سبب الانهيار لم يختلف؛ والده المصون!

فوجد يده الكبيرة الخشنة الدافئة تمتد تلقائيًا لتحتضن يدها الباردة من فرط التوتر، يطبق عليها بقوة وكأنه يخبرها بصمت.. أنا هنا معك!

وكأنه يُعطي ما فقده، فهو أكثر مَن ذاق مرارة فقدانه.

رفعت عينيها التائهتين نحوه تسأله بشرود قلق:

-هيعرفوا إني كنت هناك يومها؟

هز رأسه نافيًا وهو يردد بصوته الرخيم الواثق:

-لا، ماتجلجيش، مش هيچرى أي حاچة.

ابتلعت ريقها ثم اعترفت ولا تدري لِمَ تعترف له هو تحديدًا، ربما لأنه عين نفسه الحامي لها:

-أنا خايفة.

كم يمقت كامل وينمو الغضب داخله أكثر نحوه كنبتة سوداء في أرض قلبه القاحلة.

اشتدت قبضته عليها أكثر وهو يردف بحزم به لفحات من الغضب:

-اوعي تخافي، أنتي ماعملتيش حاچة تخليكي تخافي.

دفة الحديث لم تكن مُقادة من عقلها، بل من بؤرة مشاعرها المضطربة، فانسابت الكلمات من حافة لسانها بتلقائية شديدة وبنبرة عذبة متوسلة:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *