ايوب وغرام رحمة السيد ج١

****
في منزل “أيوب العماري” …
كان “أيوب” في غرفته أمام المرآة يُبدل ملابسه قبل خروجه لعمله، وقعت عيناه على أثر لحرق قديم على كتفه، حرق ظاهري وحيد ولكنه مثال لحروق عديدة ولكنها في عمق روحه المُخضبة بالوجع!
انبطحت ضوضاء المشاعر الزائفة في عينيه؛ القوة والقسوة والجمود، ولم يتبق سوى الألم، فقط الألم الذي ينخر روحه نخرًا على الدوام ويأبى تركه، وبعقلٍ لم ينسى وقلب لم يغفر كان يستعيد سبب ذلك الحرق، واحدى أسباب الشرخ الكبير بينه وبين والده …
كان في الخامسة عشر من عمره، لا زالت والدته على قيد الحياة في ذلك الوقت، ووالده المزواج منفصل عنهما، منشغل بحياته المليئة بالمظاهر… النساء.. الأموال والاهتمام بمطامعه فقط!
كانت والدته مريضة جدًا حينها، فاضطر للمرة التي لا يذكر عددها أن يذهب لوالده ليطلب منه الأموال لأجل علاج والدته المريضة، وصل البيت الذي كان والده يقطن به، وكان معه رجلان يبدو أنه يسعى معهما لأعمالٍ ومطامع جديدة، وما أن رآه والده حتى أشار له من بعيد متأففًا وهو يبعد السيجارة لثوانٍ عن فمه:
-امشي دلوجتي مش فاضي.
هكذا وكأنه مُصاب بمرض مُعدي، او عار يخشى اكتشافه لأي شخص!
ولكن هذه المرة لم يخضع أيوب لأمره كالعادة، فوالدته كان التعب ينال منها فعليًا هذه الساعات، وكانت في حاجة ماسة للعلاج الذي فرغ!
فاقترب منه مرددًا بعزم:
-مش هينفع، أنا عايز أتكلم معاك ضروري.
فزمجر فيه غاضبًا:
-جولت مش فاضي دلوجتي.
-أمي تعبانة والمرادي لازم تديني فلوس، أحنا مسؤولين منك، أمي هتموت وهتبجى أنت السبب!
إنطلقت الكلمات من فمه دون فلترة من عقله الحذر دومًا في تعامله مع والده، بعد أن أربك مرض والدته دواخله وجعله في حالة فوضى عارمة لا يبغى فيها سوى الاطمئنان عليها.
فاشتعلت نيران سوداء غاضبة في عيني والده الذي نهض من مكانه متجهًا نحوه وهو يستأذن الجالسان أمامه:
-ثواني وراچعلكم.
ثم سحب أيوب من ذراعه واتجه به صوب احد الغرف مغلقًا الباب خلفه، ودفعه بعنف وهو يصيح فيه بصوت حرص ألا يصل للجالسين في الخارج:
-أنت بتكلمني أنا كدا يابن ال**** ؟
عاد أيوب يعلن غيته من جديد بقلب نابض بالهلع على والدته:
-أمي تعبانة جوي وعلاچها خلص، والفلوس اللي معايا خلصت، اديني فلوس او حتى شوفلي شغل تاني يديني مرتب أعلى.

