ايوب وغرام رحمة السيد ج٢

اتجهت نحو “الكافتريا” أسفل المستشفى، فوجدت “ظافر” هناك، اقتربت منه بتردد تخشى أن يخدشها بقسوة هجومه كالعادة متهمًا إياها بالتقصير، لمحها ظافر فأشار لها بالاقتراب قائلًا بهدوء:
-تعالي يا ليلى.
جلست أمامه على المنضدة، ترمقه بنظراتٍ حذرة وكأنها تحاول التكهن بموعد انفجاره الضاري بوجهها، وتفرك يديها معًا بتوتر نجح ظافر في قراءته بسهولة فسألها بصوت أجش:
-مالك يا ليلى ؟
ردت محاولة إخفاء التوتر الذي يحوم ملامحها:
-مليش.
سألها بشك:
-متأكدة؟
اندفعت بالقول مدافعة عن نفسها أمام هجوم توقعه عقلها:
-أنا ما أهملتش چدي سالم.
أكد دون تردد:
-أنا عارف.
-عارف؟
سألت دون تصديق بعينين ضيقتين، فراح يتفوه بنبرته الرجولية الرخيمة:
-ايوه، أنا لو شاكك إنك السبب ولو 1٪ ماكنتش سكت، إلا چدي، دا أغلى ما عندي.
بقدر ما طمأنها كلامه بقدر ما أثار قلقها وهي تدرك أنها تتعامل مع لوح زجاجي غير قابل للخدش، فإن خدشته ولو دون قصد ستكون في مواجهة اعصار قاتل يسمى “ظافر العبادي” .
غيرت وجهة الحديث قائلة بجدية:
-هو أنت اتكلمت مع الدكتور؟
أجاب بهدوء:
-ايوه، وجال هيعمله تحاليل وفحوصات ويشوفوا.
لم تستطع منع نفسها من إخراج ذلك السؤال العالق بجوفها:
-هو شاكك في حاچة ؟
صمت برهة قبل أن يصارحها متنهدًا:
-ايوه تجريبًا.
لم تُصدم ليلى كثيرًا فهي قد توقعت ذلك، فيما استمعت “راوية” إلى حديثهم القصير فأصاب ذلك قلبها بوخزاتٍ مُهلكة من الخوف، لا يجب أن يكتشف أي شخص أنها مَن فعلت ذلك، يجب أن تكون “ليلى” الوحيدة القابعة أسفل ركام الشك إن غاص به ظافر.
بينما تشدق ظافر متسائلًا بخفوت دافئ يخصها به وحدها:
-أطلبك جهوة تشربيها تفوجك شوية؟
لا تدري ما الذي دهاها لتنفي بنبرة ناعمة شقية تطوف لسطح كلماتها مع ظافر لأول مرة:
-لا أنا مش ناجصة، أصل صاحب الشغل مابيحبنيش أعمل حاچة تاني غير الشغل في وجت الشغل.
فسايرها ظافر في شقاوتها التي أعجبته كثيرًا، متصنعًا الصدمة والاستنكار:
-مين الراچل المفتري دا ؟
استرسلت بذات النبرة المشاكسة:
-واحد كدا ابن حلال أول حرف من أسمه ظافر.
فقال نافيًا بخشونة خافتة وعيناه تغوص في عينيها الشهية كالشيكولاتة الذائبة، بل هي كلها شهية.. شهية بدرجة تُهلك قلبه المسكين الغارق في عشقها حتى النخاع:
-لا مالهوش حج يرخم عليكي كدا يا شيكولاته.




