ايوب وغرام رحمة السيد ج٢

فهو اعتاد في كل مرض يمرض بها أن يظل يتألم في فراشه وحيدًا، ثم يستيقظ بمفرده أيضًا حين يعتقه المرض فيخف عنه قليلًا، هذه المرة الأولى منذ وفاة والدته يهتم به أحدهم ويرعاه أثناء مرضه.

امتدت يده دون تفكير ليتحسس بإصبعه ببطء قسمات وجهها البيضاء الناعمة، ناعمة مخضبة بالشغف والحنان الذي يستطع لمسه فيها.

همهم باسمها بصوت خشن خافت وكأنه يتذوق الاسم وليس ينطقه فقط:

-غرام.

ثم أضاف حائرًا بتنهيدة عميقة حملت في طياتها الكثير والكثير متذكرًا ذلك الحلم الغريب بوجودها ووالدته في آنٍ واحد:

-چيتيلي منين، وإيه أخرتها معاكي!

تململت غرام في نومتها فابتعد عنها على الفور، فتحت عيناها ببطء لتراه مستيقظًا، اعتدلت وهي تتنحنح بحرج قبل أن تسأله:

-إيه عامل دلوجتي؟

أجاب باقتضاب:

-الحمدلله.

فقط.. لم ينطق بحرف آخر، مدت يدها دون تفكير تتلمس جبينه لترى درجة حرارته وهي تتشدق مفكرة:

-لسه سخن؟

ولكنه أبعد رأسه على الفور بتلقائية جافة عن مرمى يدها، فأعادت يدها جوارها بحرج شديد جعله يقول بتبرير لم يكن من شيمه وكأنه يحاول تخفيف ثقل الحرج عنها:

-أنا كويس.

فهزت رأسها على مضض قبل أن تنهض مغادرة الغرفة دون اضافة المزيد، هذا الجلف لم يكلف نفسه حتى بنطق كلمة شكر واحدة ؟! تبًا له ولمَن يُشفق عليه.

****

مرت أيام اخرى قليلة…

اشتد المرض بـ “سالم” مؤخرًا رغم أن ليلى لم تبخل عليه بأي اهتمام قط، تحديدًا في هذا اليوم تزايد الوهن والتعب، وكانت ليلى مرتعدة تحاول مساعدته بشتى الطرق، وتقف جوارها “راوية” وهي تعض على أصابعها مرددة بقلق زائف:

-إيه اللي حصله يا ليلى؟

هزت ليلى رأسها بقلة حيلة وهي تجيب بصوت مكتوم مختنق:

-مش عارفة، أنا هتصل بالدكتور دلوجتي.

أخبرتها بنبرة تقطر شجن أجادت اصطناعه:

-وأنا اتصلت بعمك كمال وجولتله وهيچي هو وظافر على طول.

فيما اومأت ليلى برأسها عدة مرات بتوتر مُهلك قبل أن تمسك هاتفها لتتصل بالطبيب، أجابها الآخر فانشغلت بالحديث معه وبدأت تتحرك في الغرفة بشرود وهي تتحدث.

تنهدت وهي تهز كتفيها معًا هامسة بصوت خفيض وأنظارها مُسلطة على ليلى:

-معلش بجا يا ليلى، حظك وجعك في طريجنا، ومفيش حد غيرك يشيل الليلة لو ظافر عرف إن في حد عايز يخلص من چده.

ثم مطت شفتيها وهي تواصل محدقة بـ “سالم” المستلقي:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *