ايوب وغرام رحمة السيد ج٢

-طب أنت إيه هتعمل دلوجتي؟
استفسرت فهز كتفيه بقلة حيلة:
-إيه هعمل يا بتي اديني جاعد.
سألته باهتمام وهي تفكر كيف تقضي على الملل الذي تعلم جيدًا أنه يستوحش أيامه:
-طب أشغلك التلفزيون تتفرچ شوية؟ ولا تحب ننزل نجعد في الشمس نتهوى؟ أنا كدا كدا مش ورايا حاچة يعني.
هز رأسه نافيًا بنفسٍ تأبى رمي حمولها على الآخرين مهما بلغ تفانيهم في تقبل ذلك:
-لا تسلمي يا غالية، ممكن تچيبيلي شرايط أم كلثوم، تسليني.
رحبت بالفكرة مستعلمة:
-عنيا حاضر، هي فين؟
-في اوضة الشغل بتاعت ظافر.
أجاب بنبرة عادية ولكنها بالنسبة لها لم تكن كذلك، بمجرد ذكر اسم “ظافر” شعرت لجزء من الثانية بومضة كهربائية تمس قلبها، ربما لارتباطها باسمه بشكلٍ رسمي حتى لو لم يعلم الجميع بعد!
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تهز رأسها موافقة على مضض، مطمئنة نفسها أنه غير موجود الآن.
بالفعل توجهت للغرفة التي تخص أعماله، وبدأت تبحث عن تلك الشرائط، مرت بضعة دقائق على وجودها في الغرفة، ووجدت الباب يُفتح وظافر يدخل فتواجه كلاهما، عقد ظافر ما بين حاجبيه متسائلًا بدهشة:
-إيه بتعملي هنا ؟
فسارعت تبرر على الفور وقد اعتادت على هجومه فلم تلحظ اعتيادية السؤال ونبرته:
-كنت بدور على شرايط ام كلثوم لچدي سالم والله، ولو مش مصدجني تعالى اسأله.
ابتسم ظافر بخفة وهو يناغشها:
-إيييه كل دا راديو ! أنا بسألك عادي على فكره.
صمتت برهة قبل أن تُصرح بتردد:
-بس نظرتك مش بتسأل عادي.
-أنا باصص عادي، أغمي عنيا طيب؟
أخفى عينيه بالفعل بيديه ثم سألها وهو ينظر لها من بين أصابعه بمرح مشاكس:
-كدا حلو؟ أفتح ولا عنيا هتجول حاچة تاني؟
ابتسمت ليلى عفويًا ولأول مرة ترى انحسار قناع القسوة والجمود ليترآى لها الوجه الآخر منه المرح المشاكس، ثم تمتمت بحرج:
-خلاص.
أبعد يديه وهو يردد ضاحكًا:
-فظيعة بچد.
رفعت حاجبيها معًا باستنكار:
-أنا ؟
فهز رأسه نافيًا بنبرة شقية:
-لا عنيا طبعًا.
ثم أكمل وبقايا الابتسامة عالقة بفمه:
-استني هاچيبلك الشرايط.
اقترب منها قبل أن يمهلها فرصة الابتعاد، حتى صار أمامها مباشرةً يفصلهما انشات قليلة مُربكة، تظاهر أنه يبحث عن الشريط بينما هو مستمتع بمناورتها هكذا، وباقترابه منها حتى تغلغلت رائحتها المُهلكة أنفه وشعر بأنفاسها المضطربة الساخنة تضرب عنقه، يودها أن تعتاده وتعتاد قربه، أن تزول هذه الحساسية التي يلحظها بينهما، فيما ابتلعت ليلى ريقها بتوتر وهي تشعر وكأن الثواني تتآمر ضدها فتمر ببطء شديد… لأول مرة تقترب منه لتلك الدرجة، هيبته الرجولية وهيمنة وجوده جعلها معدتها تتقلص وأنفاسها تُحشر داخلها في ظل شعور غريب مُربك يداهم انوثتها بعاطفة لحظية وليدة.



