فقدتُ زوجتي أثناء ولادتها لابنتنا
«لا تنادِها بالطفلة يا إدريس…
اسمها مزنة.
اخترتُ هذا الاسم لأن المطر يأتي أحيانًا بعد أقسى الجفاف…
وأنت تحتاج المطر أكثر مما تظن.»
أغلقتُ عيني بقوة.
وشعرتُ بدموعي تسقط فوق شعر ابنتي الصغير.
مرّت الشهور ببطء…
لكن البيت لم يعد يشبه المقبرة الصامتة التي عشتُ فيها بعد وفاة مريم.
لم أتخلص من كل أغراضها…
ولم أحتفظ بكل شيء أيضًا.
أبقيتُ ثوبها الأصفر معلقًا خلف باب الغرفة، لا كي أتعذب كلما رأيته…
بل لأنه يذكرني أننا كنّا سعداء فعلًا يومًا ما.
وفي غرفة مزنة، رسمتُ غيوماً غير متناسقة فوق الجدران بيدي أنا.
وكان الرسم سيئًا جدًا…
حتى إن أمي ضحكت عندما رأته وقالت:
«هذه غيوم أم بطاطس يا إدريس؟»
فضحكتُ معها لأول مرة دون شعور بالذنب.
وعلّقتُ صورًا كثيرة.
مريم وهي حامل تضحك في سوق أم درمان…
مريم تأكل الذرة المشوية عند منتصف الليل…
مريم نائمة ويدها فوق بطنها…
مزنة والحليب يملأ ذقنها…
مزنة وهي تعصر إصبعي بكل قوتها…
وتحت كل صورة كتبتُ جملة واحدة:
«لقد جئتِ مع العاصفة… لكنكِ بقيتِ مثل مزنة.»
لم يختفِ الذنب تمامًا.
أحيانًا، عندما تبكي مزنة طوال الليل، ويهزمني الإرهاق بعد أيام بلا نوم، كنتُ أشعر بذلك الظل القديم يتحرك داخلي من جديد.
ذلك الصوت القاسي نفسه…
وذلك التعب نفسه…
وفي بعض الليالي، كنتُ أضعها في سريرها وأخرج إلى الممر لدقائق قصيرة فقط حتى ألتقط أنفاسي…
ثم أعود إليها فورًا مذعورًا، كأنني تركتها وحدها ساعات طويلة.
لكنني في كل مرة كنتُ أنظر إلى السوار الأحمر حول معصمها…
ثم إلى السوار المربوط حول يدي…
وأتنفس ببطء.
وأهمس:
«ليس ذنبكِ…»
كنتُ أقولها لها…
لكنني في الحقيقة كنتُ أتعلم كيف أقولها لنفسي أيضًا.
في أول مرة ارتفعت فيها حرارة مزنة، فقدتُ صوابي تمامًا.
حملتها وركضتُ بها إلى المستشفى، وأنا أحمل بطانية وحقيبة صغيرة وزجاجة الحليب، كأنني ذاهب إلى حرب لا أعرف كيف أخرج منها حيًا.
كنتُ مرعوبًا بطريقة لم أعرفها من قبل.
فحصتها الطبيبة بهدوء، ثم قالت:
«مجرد التهاب خفيف… لا تخف.»
وعندها فقط أدركتُ أنني كنتُ أبكي أمامها.
قلتُ بصوت مكسور:
«أمها ماتت في المستشفى…»
وضعت الطبيبة قلمها ونظرت إليّ طويلًا.
لم تقل:
اهدأ.
لأن بعض الخوف لا يهدأ بهذه الكلمة.
قالت فقط:
«حسنًا…
إذن سنشرح لك كل شيء خطوة خطوة.»
