فقدتُ زوجتي أثناء ولادتها لابنتنا

وأثناء انتظار الحليب حتى يدفأ، رفعتُ عيني نحو صورة مريم المعلقة قرب النافذة، بثوبها السوداني الأصفر وابتسامتها الهادئة.

هذه المرة…

لم أُشِح وجهي.

همستُ بصوت مكسور:

«تركتِها لي… وأنا كدتُ أتركها وحدها.»

شربت مزنة الحليب بنهم طفولي صغير، بينما كنتُ أحدق فيها بصمت.

لم تكن تنظر إليّ بعتاب كما تخيلت طوال الأسابيع الماضية…

كانت مجرد رضيعة صغيرة تبحث عن دفء وصوت وقلب يطمئنها.

ورغم ذلك، شعرتُ بشيء يضغط صدري حين رأيت انحناءة أنفها…

ورموشها القصيرة…

والعلامة الصغيرة قرب أذنها.

رأيتُ مريم في ملامحها للمرة الأولى دون أن أهرب.

وعندما انتهت، حملتها إلى كتفي كما كانت أمي تفعل مع أطفال العائلة.

ربّتُّ على ظهرها بخفة، وبعد لحظات خرجت منها تجشؤة صغيرة مضحكة.

فضحكتُ رغمًا عني.

ضحكة قصيرة ومتعبة…

لكنها حقيقية.

«ما شاء الله عليكِ يا مزنة.»

وتوقفتُ للحظة بعد أن نطقت اسمها.

كأن الكلمة كانت مغلقة داخل صدري منذ وفاة مريم.

ظل البيت ممتلئًا بالحزن…

لكن شيئًا خفيفًا تغيّر داخله.

شيء يشبه نافذة انفتحت قليلًا في غرفة ظلت مغلقة طويلًا.

أتى الصباح دون أن أترك مزنة من بين ذراعيّ.

وعند السابعة تقريبًا، سمعتُ صوت المفتاح يدور بهدوء في الباب الخارجي.

دخلت الحاجة آمنة، والدة مريم، تحمل كيس خبز ساخن وعلبة فول، كعادتها منذ الوفاة. كانت تأتي كل صباح تقريبًا؛ تنظف أحيانًا، تبدّل أغطية السرير، وتطمئن على الصغيرة حين ينهكني السهر.

لكنها توقفت فجأة عندما رأتني جالسًا في غرفة الجلوس، ومزنة نائمة فوق صدري.

ظلت واقفة مكانها للحظات، كأنها تخشى أن تتحرك فيختفي المشهد.

لم تقل شيئًا.

ولا أنا أيضًا.

ثم رفعتُ معصم مزنة الصغير، وأشرتُ إلى السوار الأحمر.

فانفجرت الحاجة آمنة بالبكاء فورًا.

وضعت الأكياس على الأرض وجلست ببطء، تمسح دموعها بطرف الثوب.

وقالت بصوت مرتجف:

«مريم هي التي طلبت مني ذلك يا ولدي… قالت لي: لا تعطه السوار ولا التسجيل وهو غارق في غضبه.»

ابتلعتُ غصتي بصعوبة.

«ولماذا؟»

مسحت دموعها وقالت:

«كانت خائفة عليك… لأن الأطباء كانوا قد أخبروها قبل الولادة أن حالتها خطيرة، وكانت تعرف أنك لن تحتمل فكرة أنها كانت تتوقع المو*ت.»

ثم أضافت بصوت أهدأ:

«وقالت أيضًا إنك إذا سمعت صوتها مبكرًا، وأنت ما زلت ترفض حتى النظر إلى مزنة، ربما ستغلق قلبك أكثر بدل أن تفتحه.»

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *