فقدتُ زوجتي أثناء ولادتها لابنتنا
وفعلت.
علمتني كيف أقيس حرارتها…
وكيف ألاحظ تنفسها…
ومتى أقلق فعلًا ومتى يكون خوفي مجرد أثر قديم للحزن.
وعندما عدنا إلى البيت تلك الليلة…
كانت مزنة نائمة فوق صدري، وأنفاسها الصغيرة تداعب عنقي، بينما كنتُ أحدق في سقف الغرفة المظلم.
وعندها فقط فهمت الحقيقة التي هربتُ منها طويلًا.
أنا لم أكره ابنتي يومًا.
ما كرهته حقًا…
أنها احتاجتني في وقت كنتُ أريد فيه أن أختفي.
وأن حياتها أجبرتني على الاستمرار…
بينما كنتُ أريد أن أتوقف مع مريم.
وأن زوجتي تركت بين ذراعيّ أجمل دليل على أن الحب لا يُدفن مع المو*تى.
حين أتمّت مزنة عامها الأول، احتفلنا في البيت.
جاءت أمي…
وجاءت الحاجة آمنة…
وامتلأت السفرة بالعصيدة واللحم والشاي والقهوة السودانية.
علّقنا بالونات صفراء في غرفة الجلوس لأن مريم كانت تعشق هذا اللون.
أما مزنة…
فجلست أمام الكعكة بجدية مضحكة، ثم غرست يدها الصغيرة فيها وكأنها تخوض معركة حقيقية.
انفجر الجميع بالضحك…
وأنا أيضًا ضحكت.
ضحكة كاملة هذه المرة.
ليست مكسورة…
ولا مجبرة…
ضحكة رجل أدرك أخيرًا أنه لم ينجُ من الحزن لأنه نسي…
بل لأنه تعلّم كيف يحمل الحب معه ويعيش.
وبعد أن غادر الجميع منزلنا تلك الليلة…
جلستُ على الأرض بجوار مزنة.
كان شعرها ملطخًا بالكريمة، وعيناها نصف مغمضتين من النعاس.
خارج النافذة، كانت أمطار خفيفة تض*رب زجاج البيت بهدوء يشبه الهمس.
أمسكتُ يدها الصغيرة، ونظرتُ إلى السوار الأحمر حول معصمها، ثم قلتُ مبتسمًا بتعب:
«أمكِ كانت محقّة يا مزنة…
لقد أعدتِ الحياة إلى هذا البيت فعلًا.»
فتحتُ هاتف مريم القديم.
كانت بطاريته تضعف يومًا بعد يوم، لكنه ما زال يعمل، كأنه يتمسك بشيء لم ينتهِ بعد.
شغّلتُ آخر مقطع لها.
ظهرت مريم على الشاشة، بثوبها السوداني الأزرق، وابتسامتها المتعبة التي أحببتها دائمًا.
قالت بصوت هادئ:
«مرحبًا يا مزنة…»
تجمّدت ابنتي فجأة.
زحفت نحو الهاتف ببطء، ثم لمست الشاشة بكفها الصغيرة الملطخة بالكريمة.
وهمست بصوت غير واضح:
«ماما…»
توقف كل شيء داخلي.
لا أعرف إن كانت قالتها فعلًا…
أم أن قلبي المرهق أراد سماعها فقط.
لكنني ضممتها بقوة حتى أصدرت تذمرًا خافتًا، فضحكت وسط دموعي وقلت:
«آسف يا حبيبتي…
آسف.
نعم…
هذه أمك.»
وفي تلك الليلة، حملتُها إلى سريرها الصغير قرب النافذة المطلة على أزقة أم درمان الهادئة.
