فقدتُ زوجتي أثناء ولادتها لابنتنا
لم أذهب لأنني كنت أبحث عن معجزة…
بل لأنني تعبت من مقاومة الحزن وحدي.
دخلتُ الساحة الخارجية وجلستُ في آخر الصفوف، بينما كان صوت القرآن يخرج هادئًا من الداخل.
كانت هناك عائلات تدخل وتخرج…
ورجال يوزعون الماء…
وأطفال يركضون فوق البلاط الساخن.
أما أنا…
فجلست فقط أضم مزنة إلى صدري.
ولأول مرة منذ وفاة مريم، لم أشعر أنني أهرب من حزني…
بل أحمله معي وأواصل الطريق.
نظرتُ إلى ابنتي وهمست:
«ادعِ لها يا مزنة… وقولي لها إنني أحاول.»
وفي تلك اللحظة، رفعت مزنة عينيها نحوي.
ثم ابتسمت.
لم تكن ابتسامة كبيرة…
مجرد انحناءة صغيرة خاطفة عند طرف شفتيها.
لكنها شقت شيئًا عميقًا داخلي دفعة واحدة.
ضحكتُ معها رغم دموعي.
وشعرتُ فجأة أن مريم لم تترك لي طفلة فقط…
بل تركت لي سببًا يجعلني أستيقظ كل صباح بدل أن أختفي.
وفي تلك اللحظة، عاد صوت مريم إلى رأسي من التسجيل القديم:
«لا تنادِها بالطفلة يا إدريس… اسمها مزنة.»
توقفتُ عن التنفس للحظة.
ثم تذكرت بقيّة كلماتها:
«اخترتُ هذا الاسم لأن مزنة تعني المطر الذي يأتي بعد الجفاف… وكنتُ أشعر دائمًا أنها ستأتي بشيء جديد إلى حياتنا، حتى لو جاءت وسط الألم.»
نظرتُ إلى الصغيرة بين ذراعيّ.
كانت عيناها الواسعتان تحدّقان بي بصمت…
وأنفاسها الدافئة تض*رب عنقي بخفة.
ابتلعتُ غصّة حارقة، ثم همستُ للمرة الأولى:
مزنة…
جرحتني الكلمة في البداية…
ثم شعرتُ بشيء داخلي يلتئم ببطء، كأن صوت مريم أعاد قطعة ضائعة من روحي إلى مكانها.
واستمر التسجيل، متقطعًا أحيانًا بسبب ضعف البطارية:
«ستشعر برغبة في لوم نفسك يا إدريس… لا تفعل.
وستشعر برغبة في لوم الأطباء…
أو لوم أمي…
أو حتى لوم القدر…
وربما تلومني أنا أيضًا.
افعل ذلك إن احتجت.
ابكِ…
واصرخ…
واغضب…
لكن لا تلُمها هي.»
ضممتُ مزنة إلى صدري أكثر دون أن أشعر.
وكانت الصغيرة قد توقفت عن البكاء تمامًا، كأنها تنصت لصوت أمها.
ثم قالت مريم بصوت مرتجف بالكاد ثبت:
«لقد قاتلت ابنتنا لتعيش… تمامًا كما قاتلتُ أنا.
وإذا كنت تسمع هذا التسجيل عند الثالثة واثنتي عشرة دقيقة فجرًا… فذلك لأن هذا كان الوقت الذي سمعتُ فيه بكاءها لأول مرة.
وفي اللحظة نفسها…
أدركتُ أن ابنتنا نجت.
وأدركتُ أيضًا…
أنك لن تبقى وحدك بعدي.»
ثم انقطع التسجيل للحظات…
وعاد صوتها أضعف من قبل:
