فقدتُ زوجتي أثناء ولادتها لابنتنا
كنتُ أتظاهر بالضيق…
بينما كانت مزنة تحدق فينا بعينيها الواسعتين وكأنها تراقب عالمًا تحاول فهمه.
وفي أحد أيام الأحد، عندما بلغت ثلاثة أشهر، أخذتُها إلى سوق أم درمان القديم.
لم يكن الأمر سهلًا.
كل زاوية هناك كانت تحمل أثرًا من مريم.
بائعة الشاي التي كانت تحفظ طلبها…
الرجل الذي كانت تشتري منه الفول السوداني المحمص…
وذلك الزقاق الضيق الذي أمسكت فيه يدي ذات مساء وقالت ضاحكة:
«إذا متُّ قبلك يا إدريس، لا تتحول إلى رجل صامت يعيش في الظلام.»
أجبتها يومها بانزعاج:
«لا تقولي كلامًا كهذا.»
لكن مريم كانت تشعر بأشياء كثيرة قبل حدوثها، بطريقة أخافتني دائمًا.
مشيتُ بين الناس ومزنة بين ذراعيّ، ملفوفة ببطانية صفراء خفيفة.
كانت أصوات الباعة تملأ السوق…
ورائحة القهوة السودانية والبهارات الساخنة تختلط في الهواء…
والأطفال يركضون بين العربات وهم يضحكون.
ثم توقفتُ فجأة أمام بسطة صغيرة للحُليّ اليدوية.
كانت المرأة نفسها ما تزال هناك.
امرأة مسنة بثوب أبيض وضفائر رمادية قصيرة، ترتب الأساور والخيوط الملونة فوق قطعة قماش قديمة.
رفعت رأسها نحو مزنة…
ثم وقعت عيناها على السوار الأحمر الصغير.
تجمدت للحظة.
وقالت بهدوء:
«أعرف هذا السوار… بعته لامرأة حامل قبل شهور.»
ابتلعتُ ريقي بصعوبة.
تابعت وهي تنظر إلى مزنة:
«ظلت تسألني يومها إن كان اللون الأحمر يحمي الأطفال.»
شعرتُ بشيء يضيق داخل صدري.
«كانت زوجتي.»
خفضت المرأة رأسها قليلًا.
«الله يرحمها.»
ثم نظرت إلى مزنة وسألت:
«وهذه الصغيرة؟»
نظرتُ إلى ابنتي طويلًا قبل أن أجيب:
«ابنتنا.»
خرجت الكلمة هذه المرة بسهولة غريبة.
ابتسمت العجوز ابتسامة حزينة، ثم لمست السوار بخفة وقالت:
«إذن… يبدو أن دعاءها وصل.»
قطبتُ حاجبي.
«أي دعاء؟»
قالت:
«كانت تقول إنها لا تخاف أن تكبر الصغيرة دون أم…
بل كانت تخاف أن يبتلع الحزن قلب أبيها.»
خفضتُ بصري دون رد.
ثم وجدتُ نفسي أطلب منها سوارًا آخر.
سوارًا لي أنا.
ربطته حول معصمي بثلاث عقد صغيرة وهي تتمتم:
«عقدة للراحلة…
وعقدة للصغيرة…
وعقدة لك حتى لا تضيع أنت أيضًا.»
غادرتُ السوق بعدها وأنا أحمل مزنة بصمت.
ولم أعد أشعر أنني أحمل عبئًا…
بل أشعر أنني أحمل الشيء الوحيد الذي أبقاني واقفًا.
وقادتني قدماي إلى مسجد عتيق قريب من النيل.
