فقدتُ زوجتي أثناء ولادتها لابنتنا

«أحبيه كثيرًا يا مزنة… لأنه سيحبكِ أكثر مما يعرف كيف يقول.»

لم أستطع المشاهدة أكثر.

انحنيت فوق السرير، ودفنت وجهي بين كفيّ.

وبكيت.

ليس فقط على مريم…

بل على الأسابيع التي ضاعت مني وأنا أهرب من ابنتي بدل أن أهرب إليها.

وبكيت لأنني كنت أضع الحليب في فمها كل ليلة، دون أن أنتبه أنها كانت تبحث عن شيء أبسط من الطعام…

عن حب أب فقط.

وفجأة…

سمعتُ مزنة تبكي في الخارج.

وفي المرات السابقة، كنتُ أتجمد أحيانًا قبل أن أتحرك…

كأن البكاء يوقظ داخلي شيئًا أحاول الهرب منه.

أما هذه المرة، فقد نهضتُ فورًا.

وركضت إليها دون تفكير.

وقبل أن أصل إلى الغرفة، خرجت الكلمة من فمي تلقائيًا:

«أنا قادم يا ابنتي.»

توقفتُ لحظة عند الباب بعد أن قلتها.

ابنتي.

لم أشعر بثقل الكلمة هذه المرة.

كانت الأيام التالية مليئة بالفوضى.

لم أصبح أبًا صالحًا فجأة، فالحزن لا يختفي في ليلة واحدة، والإنسان لا يشفى لمجرد أنه بكى أخيرًا.

لكنني بدأت أتعلم.

تعلمتُ كيف أحممها دون أن أرتعب كلما انزلقت قطرة ماء قرب أنفها…
وكيف ألفّها بالمنشفة بسرعة قبل أن تبدأ بالبكاء.

وتعلمتُ أن لكل بكاء معنى.

بكاء الجوع…
وبكاء النعاس…
وبكاء المغص…
وأحيانًا، مجرد بكاء طفلة تريد أن تشعر أن أحدًا يحملها.

وفي بعض الليالي، كان ذلك الصوت القديم يعود إلى رأسي من جديد…

ذلك الصوت المتعب الذي يهمس:
«أنت مرهق… لن تحتمل أكثر.»

لكنه لم يعد يخيفني كما كان.

لأنني صرت أميز بين التعب…
وبين الرغبة في الهرب.

وذات ظهيرة، دخلت أمي المطبخ فوجدتني أغني بصوت منخفض لمزنة بينما أطوي ملابسها الصغيرة.

توقفت عند الباب تنظر إليّ بدهشة حقيقية.

ثم قالت:
«مالك اليوم يا إدريس؟»

رفعتُ كتفيّ وأنا أبتسم بتعب:
«قلة نوم… وتأنيب ضمير.»

فضحكت أمي لأول مرة منذ أسابيع.
«إذن بدأت الأبوة أخيرًا.»

واستمرت الحاجة آمنة في المجيء كل صباح، لكنها لم تعد تدخل البيت بوجه يشبه العزاء.

أصبحت تُعدّ العصيدة والشاي بالحليب…
وتتشاجر معي لأنني لا آكل جيدًا…
وتجلس قرب مزنة تحكي لها عن أمها وكأن الصغيرة تحفظ الحكايات بالفعل.

كانت تقول لها:
«أمكِ كانت ترقص وهي تطبخ… وتحرق لسانها بالشطة ثم تعود وتأكلها من جديد.»

ثم تشير نحوي وهي تضحك:
«وكانت تقول إن أباكِ يبدو عابسًا دائمًا، لكنه يذوب أسرع من الزبدة.»

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *