فقدتُ زوجتي أثناء ولادتها لابنتنا

ثم ضغطتُ زر التشغيل…

فعاد صوت زوجتي يقول:

«يا إدريس… إذا كنت تسمع رسالتي الآن، فهذا يعني أنني رحلت… ولم أخرج من غرفة العمليات حيّة.»

ابتلعتُ ريقي بصعوبة.

خرج صوت مريم خافتًا من الهاتف، متعبًا، لكنه مليء بذلك الدفء الذي كان يهدّئني دائمًا.

«لم تكن معي داخل غرفة العمليات يا إدريس… لم ترَ ما رأيته. عندما سمعتُ بكاءها لأول مرة، لم أفكر بالم*وت. كل ما فكرتُ فيه وقتها كان: ابنتنا وصلت.»

أغمضتُ عيني بقوة.

وكانت مزنة ما تزال ممسكة بطرف قميصي بأصابعها الصغيرة، كأنها تخشى أن أبتعد.

تابعت مريم بصوت مرتجف:

«كنتُ خائفة… نعم. الأطباء أخبروني منذ الشهر الأخير أن هناك احتمالًا ألا أخرج من الولادة بسلام، لكنني لم أرد أن تعيش أنت الخوف نفسه كل يوم معي.»

ضممتُ الصغيرة إلى صدري دون وعي.

ثم قالت:

«لكنني شعرتُ بالطمأنينة أيضًا… لأنني عرفتُ أن جزءًا مني سيبقى معك.»

ثم أضافت بعد لحظة صمت قصيرة:

«هناك فيديو آخر داخل الهاتف… شاهده عندما تصبح قادرًا على ذلك. لكن أرجوك يا إدريس… لا تتركها تبكي وحدها طويلًا، حتى لو شعرت بالعجز. احملها فقط… ستتعلمان بعضكما مع الوقت.»

ساد صمت قصير داخل التسجيل.

ثم سُمعت قبلة خافتة قرب الميكروفون.

«أحبك… واعتنِ بيديها جيدًا. إنها تشبهك كثيرًا..»

انطفأت الشاشة.

وعادت الغرفة إلى ظلامها…

لكنها لم تكن الظلمة نفسها.

لأنني، للمرة الأولى منذ وفاة مريم، لم أشعر أنني وحدي مع هذا الحزن.

تحركت مزنة بين ذراعيّ وأطلقت أنينًا خفيفًا.

ولأول مرة منذ وفاة مريم، لم أشعر بالغضب من بكائها.

شعرت بالخوف فقط.

ليس خوف رجل يجهل كيف يُعدّ زجاجة حليب، فقد كنتُ أفعل ذلك كل يوم تقريبًا خلال الأسابيع الماضية لأن أمي والحاجة آمنة لم تكونا تبيتان معنا دائمًا… بل خوف رجل أدرك فجأة أن هذه الطفلة لا تملك في العالم غيره.

وخوف رجل لا يعرف كيف يعيش بعد رحيل المرأة التي كانت تمنح البيت روحه.

لكن ذلك الغضب القديم لم يختفِ تمامًا…

كان ما يزال يتحرك داخلي كلما ارتفع بكاؤها، ثم يتركني أشعر بالخزي بعدها مباشرة.

نظرتُ إليها مرتبكًا وهمست:

«هل أنتِ جائعة يا صغيرة؟»

ثم ضحكتُ بخفوت وسط دموعي.

«سامحيني… ما زلتُ أتعلم.»

نهضتُ بها واتجهت إلى المطبخ الصغير في بيتنا بأم درمان.

كانت رأسها تستند إلى صدري بينما أحاول إعداد الحليب بيدين ترتجفان من التعب والسهر. سكبت الماء أولًا بكمية خاطئة، ثم توقفت، وأفرغت الزجاجة، وأعدت الأمر من البداية ببطء، كأنني أخشى أن أؤذيها بأي خطأ صغير.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *