قالت ابنتي إن سنّها يؤلمها… لكن ما حدث داخل العيادة جعلني أذهب إلى الشرطة فورًا.

اقترب الطبيب مني للحظة…

وكأنه يعدّل معطفي…

ووضع شيئًا في جيبي… بهدوء شديد.

وضعتُ يدي على جيبي دون أن ألفت الانتباه، بينما كنت أتابع السير خلف سالم الذي أمسك بيد ليان بقوة غير مبررة وكأنه يخشى أن تفلت منه

أو كأنه يريد أن يثبت لنفسه قبل أي أحد أنه المسيطر على كل شيء، وقد بدا في تلك اللحظة مختلفًا عمّا عرفته طوال سنوات، ليس بصوته ولا بحركته، بل بذلك التوتر الخفي الذي يحيط به ويجعله متيقظًا أكثر من اللازم.

خرجنا من العيادة، وكان ضوء النهار قويًا في شوارع المنصور، إلا أنني شعرت ببرودة غريبة تسري في أطرافي، برودة لا علاقة لها بالطقس ولا بالمكان، بل بشيء لم أفهمه بعد، شيء تركه الطبيب في جيبي.

ركبنا السيارة، وجلس سالم خلف المقود بسرعة، وأدار المحرك دون أن ينظر إليّ، ثم الټفت إلى ليان وقال بنبرة حاول أن يجعلها طبيعية:

“أرأيتِ؟ لا شيء يستحق القلق.”

لم تجبه.

كانت تنظر إلى النافذة بصمت

نظرتُ إليهما من المرآة، وشعرت بأن المسافة بينهما، رغم قربهما، أبعد مما ينبغي.

قلت بهدوء:

“قال الطبيب إن نعود إن استمر الألم.”

أجاب سالم بسرعة، وبنبرة أقرب إلى الحسم منها إلى الطمأنينة:

“لن يستمر.”

توقفتُ عند طريقته في الكلام… لم تكن إجابة عادية، بل كانت أشبه بمعرفة مسبقة، أو يقين لا يترك مجالًا للاحتمال.

لم أعلّق.

طوال الطريق، كنت أشعر بوجود الورقة في جيبي، كأنها شيء حيّ ينتظر أن ألتفت إليه، وكأنها تحمل ثقلًا أكبر من حجمها بكثير.

وصلنا إلى المنزل.

دخل سالم أولًا، واتجه مباشرة إلى غرفة النوم دون أن يبدّل ملابسه أو يتحدث، وكأنه يريد أن يبتعد بسرعة، أو كأن وجوده معنا في نفس المكان أصبح يثقل عليه.

أما ليان، فتوجهت إلى غرفتها بهدوء غير معتاد، وأغلقت الباب خلفها دون أن تلتفت.

وقفتُ في الصالة وحدي.

لثوانٍ… لم أتحرك.

ثم أخرجت الورقة.

كانت مطوية بعناية، كما وضعها الطبيب تمامًا، وكأنه كان يعلم أنني سأفتحها بعيدًا عن أي عين.

فتحتها ببطء… وقرأت:

“الألم ليس سببه السن… راقبي سلوكها جيدًا، وإن لاحظتِ ما أشك فيه، اذهبي إلى الشرطة فورًا دون مواجهة أحد.”

شعرت بأن الهواء من حولي قد تغيّر.

أعدت قراءة الجملة مرة أخرى، ثم مرة ثالثة، وكأنني أحاول أن أجد تفسيرًا أبسط، معنى أقل قسۏة، لكن الكلمات كانت واضحة، لا تقبل التأويل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *