قالت ابنتي إن سنّها يؤلمها… لكن ما حدث داخل العيادة جعلني أذهب إلى الشرطة فورًا.

ليس سببه السن.
إذًا… ما الذي يسببه؟
وما الذي شكّ فيه الطبيب حتى يطلب مني الذهاب إلى الشرطة دون مواجهة أحد؟
رفعت رأسي ببطء، ونظرت نحو الممر المؤدي إلى الغرف، وشعور ثقيل بدأ يستقر في صدري، شعور لم يكن خوفًا فقط، بل بداية إدراك أن هناك شيئًا يحدث داخل هذا المنزل… وأنا آخر من يعلم.
في تلك اللحظة، لم أصرخ، لم أندفع، لم أفتح باب غرفة ليان.
بل فعلت شيئًا واحدًا فقط…
قررت أن أراقب.
في المساء، جلسنا على المائدة كالمعتاد، وكان كل شيء يبدو طبيعيًا لمن ينظر من الخارج، أطباق مرتبة، وصوت الملاعق، وحديث خفيف يحاول أن يملأ الصمت.
سالم كان يتحدث عن عمله، كأنه لم يكن متوترًا قبل ساعات، وكأن شيئًا لم يحدث، بينما كانت ليان تأكل ببطء، تتجنب المضغ على جانب معين، وتضع يدها أحيانًا على فمها دون وعي.
راقبتها.
وفي كل مرة كان سالم يوجّه لها سؤالًا، كانت ترفع عينيها إليه أولًا، تنتظر… ثم تجيب.
تنتظر ماذا؟
الإذن؟
أم الخۏف من شيء؟
بعد العشاء، قالت إنها تريد أن تنام مبكرًا، وهو أمر لم تعتد عليه، لكنها لم تنتظر ردًا، بل ذهبت إلى غرفتها وأغلقت الباب.
سالم بقي في الصالة قليلًا، ثم نظر إليّ وقال:
“سأنام.”
أومأت.
راقبته وهو يختفي داخل الغرفة، ثم انتظرت.
انتظرت حتى هدأ كل شيء في المنزل، حتى خفّت الأصوات، وحتى شعرت أن الليل قد استقر.
عندها… توجهت إلى غرفة ليان.
طرقت الباب بخفة.
“ليان؟”
لم تجب، لكنني سمعت حركة خفيفة.
فتحت الباب ببطء، ودخلت.
كانت مستيقظة مستلقية على السرير، وعيناها مفتوحتان، تحدّقان في السقف.
جلست بجانبها، ومررت يدي على شعرها برفق.
نظرت إليّ وفي عينيها… كان هناك شيء لم أره من قبل.
لم يكن ألمًا فقط بل خوف.
همست:
“هل ما زال يؤلمك؟”
أومأت ببطء.
ترددت للحظة… ثم سألت:
“ليان… هل تخفين شيء عن أمك؟”
اتسعت عيناها فجأة.
ثم… نظرت نحو الباب.
تجمدتُ في مكاني.
لم يكن هناك أحد خلفه… لكنه كان مغلقًا.
نظرت إليّ مرة أخرى، وبدت وكأنها تفكر أو تخاف من الإجابة.
قلت بهدوء أكبر:
لا أحد في هذا العالم سيحبكِ وېخاف عليكِ ويحميكِ مثلي… أخبريني دون خوف
ابتلعت ريقها… ثم همست بصوت بالكاد يُسمع:
“بابا… يقول لي أن أحتفظ بشيء صغير… في فمي… قليلًا… ثم أعطيه له.”
شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي.
لكنني لم أظهر ذلك.
لم أصرخ لم أتحرك.



