سليم الشهاوي وورد البدراوي ج٢

في الليلة دي، ورد فضلت صاحية تاني، لكن المرة دي كان السهر مختلف.
ما كانش سهر مليان وجع وأفكار بتلف في دماغها من غير نهاية. كان أهدى، وفيه إحساس حذر إن حياتها بدأت تستقر، وإنها أخيرًا لقت أرض ثابتة تقف عليها من جديد.
طلّعت كتاب الوصفات مرة تانية وفتحته، لكن المرة دي ما فتحتوش على الصفحات الفاضية اللي في آخره.
فتحت على جزء في نص الكتاب، في مكان كانت أمها بتحط فيه حاجات صغيرة احتفظت بيها على مدار السنين: أعشاب مجففة، وزهرة برية مضغوطة بين الصفحات من ربيع قديم ورد ما بقتش فاكرة تفاصيله، وحاجة صغيرة مطوية ومحشورة جنب كعب الكتاب.
كانت شافتها مرة واحدة قبل كده، لكنها ما قدرتش تبص فيها كويس.
ورقة صغيرة مطوية، لونها اصفر من الزمن، وحوافها بقت هشة من كتر السنين.
فتحتها بحذر تحت ضوء المصباح.
ما كانتش وصفة أكل.
كانت رسمة بسيطة لقطعة أرض وحدودها، بخطوط واضحة رغم قدم الورقة: انحناءة في مجرى مية، وتلات شجرات جميز واقفين جنب بعض، ومرتفع صغير مرسوم عليه رمز كانت أمها بتستخدمه أحيانًا عشان تشير للبيت.
الخط كان خط أمها، لكنه أصغر سنًا من أي خط شافته ليها قبل كده، والحروف متقاربة ومرسومة بعناية.
وفي أسفل الورقة، كان فيه سطر مكتوب:
«الأرض الشرقية، أرضنا، قبل ما تحصل المشكلة. احتفظي بالورقة دي. يمكن ييجي يوم وتبقى مهمة.»
ورد فضلت قاعدة مكانها من غير حركة.
لأنها عرفت المكان الموصوف في الورقة.
هي عدّت من عند انحناءة مجرى المية دي بنفسها، وشافت شجر الجميز التلاتة من أربع أيام بس، وهي بتوصل المية للرجالة اللي كانوا بيجهزوا المواشي.
الأرض الشرقية اللي أمها وصفتها بالحبر الباهت من عشرين سنة، بقت دلوقتي جزء من أملاك سليم الشهاوي.
بقت جزء من أرض العزبة الشرقية.
وهي نفس الأرض اللي سمعت عم عطية بيتكلم عنها مرتين الأسبوع ده، وكان صوته بيتغير كل مرة يجيب سيرتها، كأن فيه حاجة مضايقاه ومش عايز يقولها.
الأرض اللي أهل العزبة باين عليهم إنهم بيتكلموا عنها بحذر، وكأنهم خايفين إن حكاية قديمة ترجع تفتح من جديد.
قعدت ورد وقت طويل، والورقة في حجرها، وضوء المصباح بيضعف واحدة واحدة.
وفكرت:
أنا جيت هنا عشان أعدّي يوم كمان وأحاول أعيش… لكن بدل ما أهرب من الماضي، لقيت نفسي واقفة في قلب نفس الحكاية اللي اتسببت في طردي من الأرض دي من الأساس.
لسه ما كانتش فاهمة معنى الورقة بالكامل، ولا عارفة حجم المشكلة اللي ممكن تسببها لها.
لكنها كانت متأكدة، بنفس الثقة اللي حسّت بيها وهي بتواجه الثور وتشوفه يلف ويرجع ناحية باقي المواشي، إنها مهما كانت المفاجآت اللي جاية، مش هتتجمد مكانها.
طوت الورقة بحرص، ورجعتها في نفس المكان اللي أمها سابتها فيه، بين صفحات كتاب الوصفات.
قفلت الكتاب.
بره، كان ليل الصعيد ساكن وممتد فوق أرض واسعة، أرض كانت، حسب كلام أمها اللي ماتت من سنين، ملك لأهلها في يوم من الأيام.
أرض ورد بدأت تكتشف إن حكايتها لسه مرتبطة بيها، حتى وهي عايشة دلوقتي في عزبة راجل تاني.
طفت المصباح ونامت.
وفي الصبح، لما النار اشتعلت في الموقد الساعة أربعة، وبدأت ريحة العيش تطلع واحدة واحدة وسط ضلمة الفجر، قامت ورد كعادتها.
بإيديها اللي عارفة شغلها، وقلبها اللي اتعلم يكمّل مهما حصل، وبحمل جديد بقى عليها…
حكاية لسه ما خلصتش قرايتها.




