بعد اتناشر يوم، حصلت حاجة قلبت الموازين، وبدأت بحادث محدش كان متوقعه. كان يوم الخميس. الشغل في عزبة الشهاوي كان على آخره. كانوا بيجمعوا المواشي ويجهزوها للترقيم والتطعيم، والعمال بيتنقلوا بين الحظاير طول النهار. التراب مالي المكان، وصوت المواشي مختلط بصوت الرجالة، وكل واحد مشغول بشغله، كأن العزبة كلها خلية نحل مفيهاش دقيقة راحة. ورد كانت رايحة ناحية حظيرة المواشي، شايلة جردل مية للعمال، لأن الحر كان شديد، والشغل ما بيقفش. وخلال الأسبوعين اللي قضتهم في العزبة، فهمت إن الراجل اللي ينسى يشرب مية كفاية في الحر ده، غالبًا هيغلط قبل ما اليوم يخلص. كانت في نص الساحة لما سمعت صوت عالي. صرخة حادة وقصيرة، مش من النوع اللي الرجالة بتطلعه وهما بيتخانقوا أو بينادوا على بعض. كان صوت واحد اتفاجئ بخطر قدامه قبل ما يلحق يستوعب اللي بيحصل. ورد لفتت بسرعة. عم عامر وقع! ثور صغير اتخض من حاجة محدش عرف يحددها، وانفلت من بين المواشي اللي كانوا بيجهزوها. وعم عامر، اللي كان واقف أقرب واحد منه، اتخبط فيه ووقع على الأرض وهو بيحاول يوقفه. كان عم عامر مرمي على الأرض، ورجله متنية تحته بطريقة تخوّف. والثور لف ورجع ناحيته تاني، واطي راسه ومستعد يهجم عليه من جديد. محدش كان قريب كفاية يلحقه. عم عطية كان بينادي من بعيد، وراضي بيجري ناحيتهم، لكنه لسه بعيد. والثور كان أقرب من أي حد فيهم. ورد ما فكرتش. ولما افتكرت اللي حصل بعد كده، ما قدرتش تقول إنها أخدت قرار. مكنش فيه وقت أصلًا إنها تقرر. كل اللي حصل إن جسمها اتحرك لوحده. جردل المية طار من إيدها ووقع على الأرض، والمية اتنثرت في كل اتجاه. وبعدها طلّعت صوت حاد ومفاجئ، صوت هي نفسها ما كانتش تعرف إنها تقدر تطلعه. كان شبه الطريقة اللي أمها كانت بتنادي بيها على الكلاب عشان تبعدها عن السور. ما كانش صريخ، قد ما كان نداء قوي فيه أمر واضح. الثور رفع راسه. الصوت المفاجئ لخبطه، فوقف لحظة متردد. لحظة واحدة بس، لكنها كانت كفاية. ورد خطفت طرف حبل كان ملفوف على أقرب عمود، وشدته بقوة وضربت بيه الأرض قدام الثور. مرة... واتنين. الثور اتخض، ولف بجسمه بسرعة، وانطلق في الاتجاه التاني، راجع ناحية باقي المواشي، بعيد عن الست اللي ظهرت قدامه فجأة وصوتها أربكه. وبعدها، ساد الصمت. صمت تقيل، لدرجة إن ورد حسّت إن ودانها لسه بترن من اللي حصل. وفجأة، الكل اتحرك في نفس الوقت. عم عطية وصل لعم عامر الأول، وراضي كان وراه على طول. أما ورد، فنزلت على ركبتها في التراب جنب الراجل الكبير، وبصت لرجله من غير ما تحاول تحركها. كانت حركتها هادية وسريعة، وعينيها بتراقب أي علامة ممكن تساعدها تفهم حجم الإصابة. قالت بحزم: "ماتحركش رجلك يا عم عامر. خليك ثابت لحد ما نجيب الدكتور." عم عامر كان باصلها، ووشه شاحب من الوجع، لكن كان فيه حاجة تانية في عينيه غير الألم. صدمة... يمكن لأنه لسه عايش، ويمكن لأن نفس الست اللي قضى أسبوعين وهو بيحتقرها وبيتعامل معاها باستهانة، كانت أول واحدة جريت تنقذه. فتح بقه وقال: "إنتِ..." ورد قاطعته من غير ما ترفع عينيها عنه: "بلاش كلام دلوقتي. وفّر نفسك." عم عطية وراضي جابوا لوح خشب عريض، وساعدوا بعض بحذر لحد ما قدروا ينقلوا عم عامر بعيد عن الساحة، من غير ما يضغطوا على رجله أكتر من اللازم. ودخلوه أوضة قريبة من سكن العمال، لحد ما الدكتور يوصل. ورد فضلت جنبه. كانت أمها علمتها حاجات كتير من سنين، وهي بتراقبها في مطبخ المطعم، وهي بتتعامل مع الإيدين المجروحة والدراعات المحروقة. ما كانتش دكتورة، لكنها عرفت إن أهم حاجة دلوقتي إنها تمنع رجله من الحركة، وتخفف عنه على قد ما تقدر، لحد ما حد متخصص يشوفه. طلبت من عم عطية يجيب لها لوحين خشب وقطع قماش نظيفة، وثبّتت رجله بحذر من غير ما تحاول ترجع العضم لمكانه أو تحركها أكتر من اللازم. وطول الوقت، فضلت تتكلم معاه عن أي حاجة تخطر على بالها، إلا رجله. حكت له عن ريحة القهوة المظبوطة، وعن مطعم أبوها في إسكندرية، وعن شكل ضوء الشمس وهو داخل من الشباك الساعة أربعة العصر. أي كلام... المهم إنه ما يفضلش مركز مع الوجع والخوف. ولما خلصت، كان عم عامر شاحب وبيعرق، وقابض على طرف المرتبة بقوة لدرجة إن صوابعه ابيضّت من شدة الضغط، لكن رجله بقت ثابتة لحد ما الدكتور يوصل. كان عم عطية واقف عند الباب، ولما شاف اللي ورد عملته، قال بإعجاب: "والله يا بنتي، تصرفك كان في وقته. لو كنتي اتأخرتي شوية، كان ممكن الثور يرجع عليه تاني." ورد ما ردتش. كانت لسه مركزة مع عم عامر، وبتحاول تخليه يفضل هادي. عم عامر نفسه ما قالش حاجة. لا في الليلة دي، ولا حتى تاني يوم الصبح، لما ورد جابت له الفطار في الأوضة الصغيرة اللي جنب سكن العمال، واللي نقلوه ليها عشان يرتاح لحد ما رجله تتحسن. حطّت الصينية قدامه من غير ما تقول كلمة، ولفّت عشان تمشي. لكن صوته وقفها. "يا آنسة ورد." وقفت ولفّت ناحيته. كان عم عامر باصلها من على السرير، ورجله متثبتة ومرفوعة على مخدة. وشه لسه شاحب من الوجع، لكن عينيه كانت أهدى من اليوم اللي فات. قال بصوت هادي ومباشر: "الثور ده كان هيموتني." ردت ورد بهدوء: "غالبًا، أيوه. مفيش داعي نكدب على نفسنا." فضل باصص لها شوية، وبعدها قال: "مكنش لازم تعملي كده." ردت ببساطة: "لأ، مكنش لازم." سكت عم عامر، وفضل يتأملها فترة طويلة. كان جواه حزن قديم وتقيل، حزن عاش بيه سنين لدرجة إنه بقى جزء من حياته، وما بقاش يعرف يفصل بين اللي حصل زمان وبين الناس اللي قدامه دلوقتي. وبعد لحظة، قال بصوت اتكسر شوية وهو بينطق الاسم: "ابني حسن..." سكت لحظة، وبعدين كمل: "اتقتل على إيد ناس كانوا شبه أمك." نزّل عينيه، قبل ما يرجع يبص لها. "دي حقيقة، ومقدرش أغيّرها لمجرد إنك أنقذتيني." ردت ورد بصوت واطي: "أنا عارفة. ومش هطلب منك تنسى اللي حصل." بلع عم عامر ريقه، وحاول يكمل كلامه. "بس..." سكت وخد نفس، وبعدين حاول تاني. "أنا شايل الحزن ده جوايا بقالي تمن سنين. طول الوقت كنت شايف إن دي الحقيقة الوحيدة اللي تهم. وإنتِ... إنتِ جريتي ناحية ثور كان ممكن يقتلك، عشان تنقذي راجل عجوز ما عملش معاكي حاجة غير إنه أهانك من أول يوم دخلتي فيه العزبة." عينيه لمعت بالدموع، والمرة دي ما حاولش يخبيها. وده لوحده قال لورد أكتر من أي كلام ممكن ينطقه. كمل بصوت مبحوح: "ودي حقيقة تانية. وأنا بصراحة مش عارف أقدر أعيش بالحقيقتين دول إزاي." بصت له ورد بهدوء، وقالت: "مش لازم تلاقي إجابة النهارده. كُل فطارك يا عم عامر، الأكل هيبرد." حاول عم عامر يضحك، وظهرت ابتسامة صغيرة على وشه. لكن الضحكة اللي خرجت منه كانت مبحوحة، كأنه بقاله سنين طويلة ما ضحكش بجد. بصلها وقال: "عامر... ناديني عامر وبس." ابتسمت ورد ابتسامة حقيقية، لأول مرة من ليلة العشا اللي أكلت فيها في العزبة. وقالت: "حاضر يا عامر." وبعدها سابته يكمل فطاره، وخرجت من الأوضة. خبر إن ورد أنقذت عم عامر من الثور انتشر أسرع من أي حكاية اتقالت عن أصلها وأصل أمها. مع وقت العشا في نفس اليوم، كان كل اللي في سكن العمال عرفوا إنها جريت ناحية الثور عشان تنقذ عم عامر، وإنها ما اترددتش لحظة واحدة. ورد لاحظت التغيير في معاملة الناس الليلة دي. تغيير بسيط، لكنه حقيقي. الرجالة اللي كانوا بيتعاملوا معاها بحذر، وبيكتفوا بكلمتين على قد الحاجة، بقوا يبصولها في عينيها وهي بتصب لهم القهوة، ويهزوا راسهم لها تحية. واحد من الرجالة الكبار، اسمه عم صابر، واللي ما كانش قال لها تلات كلمات على بعض طول الأسبوعين اللي فاتوا، قال لها بصوت واطي وهي معدية من جنبه: "عملتي شغل عظيم النهارده يا بنتي." الكلام دخل قلبها ودفّاه، كأنه حاجة كانت محتاجاها من زمان. كانت بتلم الأطباق من آخر الترابيزة، لما حست بوجود حد واقف وراها. سليم الشهاوي. بقاله اتناشر يوم ما أكلش معاهم في مكان أكل العمال، وما كلمهاش غير من خلال التعليمات اللي كان راضي بيوصلها لها. ودلوقتي، كان واقف عند طرف المكان، بيراقبها بنفس الطريقة اللي بص لها بيها أول ليلة، كأنه بيحاول يفهم حاجة. قال لما ورد لفتت ناحيته: "آنسة ورد." ردت: "أيوه يا أستاذ سليم." سكت لحظة طويلة، لدرجة إنها افتكرت إنه ممكن يلف ويمشي تاني، زي ما عمل طول الأسبوعين اللي فاتوا. لكنه قال: "عم عامر حكالي اللي عملتيه." ردت ورد بهدوء: "عملت اللي أي حد مكاني كان هيعمله." قال سليم: "لأ، مش أي حد. ناس كتير كانت ممكن تتجمد مكانها من الخوف." بصلها بثبات، ولأول مرة من ليلة العشا اللي اتعملت في عزبة الشهاوي، ملامحه اتغيرت شوية. كان فيه لين بسيط في نظرته، كأنه بدأ يشوف فيها حاجة غير الصورة اللي رسمها عنها من أول يوم. قال: "إنتِ ما اتجمدتيش." ردت ورد: "اتعودت ما اتجمدش. الحياة بتديني فرص كتير عشان أتعلم." حاجة خفيفة عدّت على ملامحه، وكانت قريبة من الابتسامة. قال سليم بصوت هادي: "أنا مدين لك باعتذار." قالها بحذر، كأن الاعتراف ده مش سهل عليه. وكمل: "على الطريقة اللي كلمتك بيها لما اتكلمنا عن أبويا. أنا خليت حزني القديم يتحكم في قرارات ما كانش من حقه يتحكم فيها." ردت ورد: "من حقك تحزن على أبوك يا أستاذ سليم." قال: "أيوه، من حقي." فضل باصلها، وبعدين كمل: "لكن مش من حقي ألومك على حزني. اللي عملته كان غلط، وأنا كنت عارف إنه غلط حتى وأنا بعمله، وده خلّى الموضوع أسوأ." ورد فضلت تتأمله. صاحب العزبة، اللي الكل بيحسب له ألف حساب، واقف قدامها وبيعترف إنه غلطان، من غير أعذار ولا محاولة يبرر بيها تصرفاته. قالت: "شكرًا إنك قلت لي كده." رد سليم: "دي الحقيقة. وإنتِ باين عليكِ إنك مش بتقبلي أي حاجة أقل من الحقيقة." ابتسمت ورد ابتسامة صغيرة وقالت: "ابتديت تفهمني." والمرة دي، سليم ابتسم لها فعلًا، حتى لو كانت ابتسامة خفيفة ما استمرتش غير لحظة. في الليلة دي، ورد فضلت صاحية تاني، لكن المرة دي كان السهر مختلف. ما كانش سهر مليان وجع وأفكار بتلف في دماغها من غير نهاية. كان أهدى، وفيه إحساس حذر إن حياتها بدأت تستقر، وإنها أخيرًا لقت أرض ثابتة تقف عليها من جديد. طلّعت كتاب الوصفات مرة تانية وفتحته، لكن المرة دي ما فتحتوش على الصفحات الفاضية اللي في آخره. فتحت على جزء في نص الكتاب، في مكان كانت أمها بتحط فيه حاجات صغيرة احتفظت بيها على مدار السنين: أعشاب مجففة، وزهرة برية مضغوطة بين الصفحات من ربيع قديم ورد ما بقتش فاكرة تفاصيله، وحاجة صغيرة مطوية ومحشورة جنب كعب الكتاب. كانت شافتها مرة واحدة قبل كده، لكنها ما قدرتش تبص فيها كويس. ورقة صغيرة مطوية، لونها اصفر من الزمن، وحوافها بقت هشة من كتر السنين. فتحتها بحذر تحت ضوء المصباح. ما كانتش وصفة أكل. كانت رسمة بسيطة لقطعة أرض وحدودها، بخطوط واضحة رغم قدم الورقة: انحناءة في مجرى مية، وتلات شجرات جميز واقفين جنب بعض، ومرتفع صغير مرسوم عليه رمز كانت أمها بتستخدمه أحيانًا عشان تشير للبيت. الخط كان خط أمها، لكنه أصغر سنًا من أي خط شافته ليها قبل كده، والحروف متقاربة ومرسومة بعناية. وفي أسفل الورقة، كان فيه سطر مكتوب: «الأرض الشرقية، أرضنا، قبل ما تحصل المشكلة. احتفظي بالورقة دي. يمكن ييجي يوم وتبقى مهمة.» ورد فضلت قاعدة مكانها من غير حركة. لأنها عرفت المكان الموصوف في الورقة. هي عدّت من عند انحناءة مجرى المية دي بنفسها، وشافت شجر الجميز التلاتة من أربع أيام بس، وهي بتوصل المية للرجالة اللي كانوا بيجهزوا المواشي. الأرض الشرقية اللي أمها وصفتها بالحبر الباهت من عشرين سنة، بقت دلوقتي جزء من أملاك سليم الشهاوي. بقت جزء من أرض العزبة الشرقية. وهي نفس الأرض اللي سمعت عم عطية بيتكلم عنها مرتين الأسبوع ده، وكان صوته بيتغير كل مرة يجيب سيرتها، كأن فيه حاجة مضايقاه ومش عايز يقولها. الأرض اللي أهل العزبة باين عليهم إنهم بيتكلموا عنها بحذر، وكأنهم خايفين إن حكاية قديمة ترجع تفتح من جديد. قعدت ورد وقت طويل، والورقة في حجرها، وضوء المصباح بيضعف واحدة واحدة. وفكرت: أنا جيت هنا عشان أعدّي يوم كمان وأحاول أعيش... لكن بدل ما أهرب من الماضي، لقيت نفسي واقفة في قلب نفس الحكاية اللي اتسببت في طردي من الأرض دي من الأساس. لسه ما كانتش فاهمة معنى الورقة بالكامل، ولا عارفة حجم المشكلة اللي ممكن تسببها لها. لكنها كانت متأكدة، بنفس الثقة اللي حسّت بيها وهي بتواجه الثور وتشوفه يلف ويرجع ناحية باقي المواشي، إنها مهما كانت المفاجآت اللي جاية، مش هتتجمد مكانها. طوت الورقة بحرص، ورجعتها في نفس المكان اللي أمها سابتها فيه، بين صفحات كتاب الوصفات. قفلت الكتاب. بره، كان ليل الصعيد ساكن وممتد فوق أرض واسعة، أرض كانت، حسب كلام أمها اللي ماتت من سنين، ملك لأهلها في يوم من الأيام. أرض ورد بدأت تكتشف إن حكايتها لسه مرتبطة بيها، حتى وهي عايشة دلوقتي في عزبة راجل تاني. طفت المصباح ونامت. وفي الصبح، لما النار اشتعلت في الموقد الساعة أربعة، وبدأت ريحة العيش تطلع واحدة واحدة وسط ضلمة الفجر، قامت ورد كعادتها. بإيديها اللي عارفة شغلها، وقلبها اللي اتعلم يكمّل مهما حصل، وبحمل جديد بقى عليها... حكاية لسه ما خلصتش قرايتها. الأرض الشرقية الأسابيع اللي عدّت بعد حادثة الثور اتحولت لحاجة ورد ما كانتش سمحت لنفسها تحلم بيها: روتين ثابت، وأيام بقى ليها شكل معروف، من غير ما تحس إنها بتحارب كل يوم عشان تفضل واقفة على رجليها. الغريب في الروتين إنه بيدخل حياتك بهدوء، من غير ما تحس بيه. وفجأة تلاقي نفسك بطّلت تستعد للأسوأ في كل لحظة. عم عامر بدأ يتعافى، ببطء لكن بثبات. وبقى يقدر يعرج لحد مكان أكل العمال، مستند على عكاز راضي عمله له بإيده. وطول الطريق، ما بطلش شكوى. مرة يشتكي من العكاز، ومرة من رجله، ومرة من القهوة اللي شايفها خفيفة زيادة عن اللزوم. وكل اللي في العزبة فهموا إن دي طريقته في إنه يقول شكرًا من غير ما يضطر ينطقها. أما سليم، فرجع ياكل معاهم كل يوم. كان بيقعد على رأس الترابيزة، زي عادته، لكن حاجة اتغيرت في الطريقة اللي بقى بيبص بيها للمكان ولورد. ما بقاش بيبصلها بنفس النظرة الحذرة اللي كانت بتقيّمها من أول يوم. بقت نظرته أهدى، وفيها قدر من الود، حتى لو هو نفسه ما كانش واخد باله من ده. ورد لاحظت. وبعدها قالت لنفسها إنها ما تلاحظش. والطريقة دي ما نفعتش معاها أبدًا، ولا مرة، مع أي حد. فكرة العزومة الأسبوعية جت لها يوم التلات، وهي بتعجن العيش وبتفكر في حاجات عادية جدًا. أو يمكن كانت فاكرة إنها بتفكر في حاجات عادية، لأن الأفكار المهمة غالبًا بتدخل دماغها من غير استئذان وهي مشغولة بحاجة تانية. في المساء، راحت لسليم، ولقيته قاعد في البلكونة تحت ضوء المصباح، بيراجع دفاتر الحسابات. كان حاطط كتافه لقدام، وباين عليه إنه مش راضي عن الأرقام اللي قدامه. قالت له من غير مقدمات: "أنا عايزة أعمل عزومة لأهل البلد." رفع عينيه لها ببطء. كملت: "كل يوم أحد، أي حد من أهل البلد يحب ييجي يتعشى، يبقى أهلًا وسهلًا. أنا هطبخ، وإنت توفر اللحمة." بصلها باستغراب. "عزومة لمين؟ لأي حد؟" سكتت ورد وهي بتراقب ملامحه، وشافته بيحسبها في دماغه: تكلفة، ومجهود، ومخاطرة. وبعدين قفل دفتر الحسابات وحطه على جنب. بدأت تفهم إن الحركة دي معناها إنها أخدت انتباهه كله، وده ما كانش بيحصل كتير، وبقت تفرح بيه في سرها أكتر مما كانت تحب تعترف. سألها: "ليه؟" ردت ورد: "عزبة بالحجم ده ما ينفعش تبقى بعيدة عن أهل البلد كأنها عايشة لوحدها." وبعدين خفّضت صوتها شوية. كانت بدأت تفهم جزءًا من الصمت اللي مالي البيت، وشافت أحواض الزرع اللي اتسابِت من غير اهتمام سنين. قالت: "وبعدين، الأكل الحلو بيخلّي الناس تنسى خلافاتها كام ساعة على الأقل." ملامح سليم هديت شوية. سألها: "فاكرة إن ده هينفع مع أهل البلد؟" قالت: "أعتقد إن الموضوع يستاهل نجرب." كان على وشه شيء قريب من الابتسامة. ورد بقت تلاحظ الحاجات الصغيرة دي، رغم إنها كانت بتقول لنفسها إن مفيش داعي تهتم بيها. قال سليم أخيرًا: "ماشي. نبدأ من يوم الأحد." في أول يوم أحد، جه حداشر شخص. ورد كانت طبخت أكل يكفي تلاتين، لأنها اتعلمت إن ريحة الأكل الحلو ممكن توصل لناس ما كانوش ناويين ييجوا أصلًا. جت عيلة معاها أولاد كبار. وجم أخوين عجايز، فضلوا يتخانقوا طول العشا، بنفس السهولة اللي اتعودوا عليها خلال ستين سنة من الأخوّة. وجت أرملة اسمها الست فاطمة، وصلت لوحدها، وبعد تلات ساعات خرجت بعدما فضلت تحكي لعم عامر عن طريقة عمل الفطير، لدرجة إنه ما قدرش يلاقي فرصة يدخل كلمة واحدة. وحتى عم عامر، الراجل الخشن اللي لسه شايل حزنه، فضل يسمع لها كل كلمة كأنها بتحكي له حكاية مهمة. ورد كانت بتراقب اللي بيحصل من عند باب المطبخ. كانت بتشوف ناس ما يعرفوش بعض بيتكلموا ويضحكوا، وبعد وجبة طويلة بقوا أقرب لبعض من وقت ما دخلوا. وفكرت: هو ده اللي أمي كانت تقصده. كانت دايمًا تقول إن الأكل بيجمع الناس، مهما كانت الخلافات اللي بينهم. طول ما الناس قاعدة على سفرة واحدة، لسه فيه فرصة إنهم يفهموا بعض. وبحلول يوم الأحد التالت، وصل عدد الضيوف لتلاتة وعشرين شخص. الخبر انتشر بالطريقة اللي الأخبار الحلوة بتنتشر بيها في البلاد الصغيرة: بهدوء، من شخص للتاني. محدش أعلن عن الموضوع، ولا عمل دعاية. كل اللي حصل إن ناس قالت لناس تانية إن فيه مكان يستاهل المشوار. كان المفروض ورد تعرف إن الهدوء ده مش هيستمر، لأن مفيش حاجة حلوة كملت معاها لحد دلوقتي من غير ما ييجي يوم يختبرها. هي عرفت النمط ده خلاص. لكنها ما كانتش تعرف، في يوم الأحد التالت، إن الاختبار كان أقرب مما تتخيل. الراجل جه يوم الخميس. وده، بطريقة ما، كان مناسب جدًا لشخص زيه. راجل مش هيختار يوم العزومة اللي بيكون فيه أهل البلد موجودين، ومش هيخاطر إن حد يشوفه قاعد على سفرة هو أصلًا مش ناوي يقعد عليها. كان اسمه فؤاد العزازي. ورد كانت في ساحة العزبة لما العربة ظهرت على الطريق، وفيه حاجة في منظرها خلتها توقف اللي بتعمله قبل حتى ما تفهم سبب إحساسها. العربة كانت نضيفة زيادة عن اللزوم، وكل حاجة فيها محسوبة بعناية. والراجل اللي نزل منها كان لابس كأنه رايح يقابل محامي أو يحضر جلسة في المحكمة، مش داخل عزبة مواشي في نص يوم خميس. نزل بنفسه من غير ما يحتاج مساعدة. كان متوسط الطول، وملامحه مرسوم عليها تعبير لطيف، لكن اللطف ده كان متصنّع ومتدرّب عليه لدرجة إنه ما بقاش طبيعي. بقى زي قناع لبسه سنين طويلة لحد ما التصق بوشه. كان معاه راجلين ضخمين، ووراهم محامٍ صغير الحجم، ماشي بخطوة محسوبة وشايل شنطة فيها أوراق ومستندات. أول حد وقعت عليه عينيه كان ورد، قبل حتى ما سليم يخرج من البيت، وقبل ما أي حد تاني ينتبه لوصوله. فضل يبصلها كأنه بيقيّمها من أول لحظة. قال فؤاد بابتسامة مصطنعة: "إنتِ أكيد الطباخة." ردت ورد ببرود: "أيوه." قال: "سمعت عنك كتير." ردت بنفس البرود: "بجد؟" قال فؤاد وهو بيبتسم: "البلد كلها سمعت عنك." لكن ابتسامته ما وصلتش لعينيه. وبعدين كمل: "عزبة الشهاوي وطباختها الجديدة... حكاية مثيرة للاهتمام فعلًا." وساب الجملة معلقة في الهوا، كأنه قاصد يخليها تحمل أي معنى هو عايزه. في اللحظة دي، خرج سليم من البيت، وورد شافت ملامحه وهي بتتغير. عرف الراجل. والتعرف عليه اتبعه فورًا تعبير أقسى. قال سليم: "العزازي." ما كانتش تحية، قد ما كانت تأكيد لحقيقة مش محتاجة شرح. طلع فؤاد درجات البلكونة على مهل، كأنه صاحب الوقت والمكان. وقال: "أنا جاي بخصوص الأرض الشرقية." ورد حست إن جسمها كله اتشد. لأنها سمعت الكلام ده قبل كده. مش من فؤاد، ولا من أي شخص عايش. سمعته في الحبر الباهت المكتوب على الورقة المطوية اللي لقتها في كتاب وصفات أمها. الأرض الشرقية، أرضنا، قبل ما تحصل المشكلة. لكن دلوقتي، الكلام نفسه بيطلع من فم غريب، لابس بدلة أنيقة، وبيتكلم عن الأرض كأن له حق فيها. قال سليم بصرامة: "مالكش أي حق في الأرض دي، ولا كان ليك حق فيها في أي وقت." ابتسم فؤاد ابتسامة هادية وقال: "الاتفاق اللي عمله أبويا مع الحاج سليمان المنشاوي بيقول غير كده. الاتفاق أقدم من عقد ملكيتك بثمانية عشر شهر، وعندي مستندات وشهود." رد سليم: "عندك موظفين شغالين عندك، وده مش معناه إن شهادتهم هتثبت إن الأرض ملكك." ابتسامة فؤاد اختفت للحظة بسيطة، لدرجة إن اللي مش بيركز ما كانش هياخد باله. لكن ورد كانت مركزة. هي دايمًا كانت مركزة. ودي كانت المهارة الوحيدة اللي محدش قدر ياخدها منها، مهما كان أخد منها حاجات كتير قبل كده. قال فؤاد: "خلاص، نخلي المحكمة تفصل بينا. أنا جيت بس عشان أتصرف كجار محترم." وبعدين أضاف: "وأبلغك باللي جاي. الراجل من حقه يعرف إن فيه نزاع على أرضه قبل ما الموضوع يكبر." عينيه اتحركت ناحية ورد مرة تانية. وقال: "وكمان كنت عايز أقابل الطباخة المشهورة." سكت لحظة، وبعدين كمل: "اللي فهمت إنها مش مجرد طباخة. سمعت إن فيه دم بدوي من عيلة فريد موجود في العزبة دي دلوقتي." نطق كلمة «بدوي» بطريقة فيها احتقار واضح، كأنه بيستخدمها عشان يقلل من قيمة اللي بيتكلم عنه. وبعدين بص لسليم وقال: "اختيار مثير للاهتمام يا شهاوي، خصوصًا مع تاريخ عيلتك في المنطقة دي." فك سليم اتشد بقوة، لدرجة إن ورد قدرت تلاحظ عضلة فكه وهي بتتحرك. قال سليم بصوت هادي، لكنه كان هدوء مخيف: "اطلع بره أرضي." رفع فؤاد إيديه الاتنين في حركة تمثّل البراءة. "ماشي، ماشي. أنا ماشي." لف ناحية العربة، لكنه وقف فجأة ولف تاني. والمرة دي بص لورد وحدها. وللحظة قصيرة جدًا، التعبير اللطيف اللي على وشه اختفى، وظهر من تحته شيء أبرد وأقسى. قال فؤاد: "الغريب بقى في موضوع الأرض الشرقية، إن السجلات القديمة بتقول إن عيلة فريد كانت موجودة في الأرض دي قبل المشكلة." مال راسه سنة، وبعدين أضاف: "الدنيا صغيرة، مش كده يا آنسة ورد؟" ردت ورد بثبات: "ورد." ما كانتش هتسمح له يشوف إيديها وهي بتترعش، ولا تدي له فرصة يحس إنه قدر يخوفها. كرر فؤاد الاسم كأنه بيحاول يعرف إزاي ممكن يستفيد منه. "ورد... فعلًا الدنيا صغيرة." ركب عربته، وساب وراه سحابة تراب مالية ساحة العزبة. وورد فضلت واقفة مكانها، بتبص للعربة وهي بتبعد، وعقلها مشغول بالورقة اللي مخبياها في كتاب أمها. لأنها بدأت تفهم إن الأرض الشرقية مش مجرد ذكرى قديمة من ماضي عيلتها. دي حكاية لسه فيه ناس مستعدة تعمل أي حاجة عشان تفضل مدفونة.