لإرضاء أمي أهنتُ زوجتي، وحبستُها وحدها في غرفةٍ مظلمة حتى الفجر

توقفتُ في آخر الممر، وشعرتُ بأن الهواء اختفى فجأة من حولي.
كانت سارة تجلس فوق فراشٍ قديم في زاوية المكان، شاحبة ومرهقة، بينما تضع يدها فوق بطنها كأنها تحاول حماية شيءٍ داخله من العالم كله.
لكن عينَيّ لم تتوقفا عندها طويلًا.
لأن المرأة الجالسة بجوارها جعلت الدم يتجمّد داخل عروقي.
عباءة داكنة.
شعر غزاه الشيب وجه مرهق نحيل لكن العينين…
يا الله.
عرفتهما فورًا تقدّمت خطوة دون وعي.
ثم خرج صوتي مبحوحًا:
“خالتي…؟”
ما إن سمعت الكلمة حتى ارتجف جسدها كله.
وانفجرت بالبكاء.
ليس بكاءً عاديًا بل بكاء شخصٍ عاد إليه قلبه بعد م*وت طويل.
هزّت رأسها ببطء وهي تنظر إليّ بعينين غارقتين بالدموع.
ثم قالت بصوت مرتجف:
“لا تقل خالتي…”
انعقد حاجباي بعدم فهم.
لكنها وضعت يدها فوق صدرها المرتجف وقالت:
“أنا أمك يا عباس.”
تراجعت خطوة كاملة للخلف.
كأن أحدهم ضربني بعنف في صدري.
وفي اللحظة نفسها صرخت أمي خلفي:
“إنها تكذب! لا تسمع لها!”
لكن صوتها بدا بعيدًا جدًا.
كأنني أسمعه من تحت الماء.
كنت أحدّق فقط في المرأة أمامي.
في دموعها وفي الطريقة التي تنظر بها إليّ…
نظرة شخصٍ انتظر عمرًا كاملًا حتى يرى ابنه.
خرج صوتي متقطعًا:
“ماذا… ماذا تقولين؟”
ارتجفت شفتاها.
ثم قالت بصوت بالكاد خرج:
“آخر مرة ناديتني فيها ماما… كان عمرك ست سنوات.”
شعرتُ بقشعريرة باردة تضرب ظهري بالكامل.
ست سنوات وفجأة ارتجف شيء قديم داخل رأسي.
ذكرى بعيدة جدًا ضبابية.
امرأة تحملني فوق ساقها رائحة ياسمين.
وصوتٌ يهمس قرب أذني:
“نم يا حبيبي… ماما هنا.”
وضعت يدي فوق رأسي بعنف.
لا لا يمكن.
رفعت بصري نحو أمي الواقفة قرب باب الممر.
كانت تبكي وهي تهز رأسها بجنون.
“إنها مريضة يا عباس… أقسم بالله مريضة.”
لكن المرأة قاطعتها بصوت مكسور:
“لو كنتُ مجنونة… فلماذا أخفتِني عنه كل هذه السنين؟”
ساد صمت ثقيل.
حتى صوت أنفاسي صار مؤلمًا.
ثم نظرتُ إليها بصدمة وهمست:
“لكن… أمي قالت إنكِ متِّ.”
بكت فورًا.
وكأن الجملة مزّقت شيئًا داخلها.
ثم قالت بصوت متعب:
“كان يجب أن أم*وت فعلًا… ربما كان ذلك أرحم.”
شعرتُ بأن الأرض تميد تحت قدمي.
كنت أنظر إليها كأنني أراها لأول مرة.
رغم أنني أعرفها منذ طفولتي.
خالتي زينب.
المرأة التي كانت تزورنا أحيانًا قديمًا.
التي كانت تبكي كلما مرضتُ.
والتي اختفت فجأة حين كنت صغيرًا.
وحين سألت عنها…
قالت أمي إنها ماتت.
أتذكر يومها جيدًا.
كنت أبكي وأسأل أين ذهبت خالتي.
فشدّتني أمي إلى صدرها وقالت:
“خالـتك عند ربنا الآن يا عباس… ادعُ لها.”
ثم لم تُذكر بعدها أبدًا.
لا صورة.
لا حديث.
لا شيء.
كأنها مُسحت من البيت ومن الذاكرة معًا.
لكنها كانت هنا.
طوال هذا الوقت.هنا تحت البيت.
شعرتُ بالغثيان فجأة.
فسندتُ يدي إلى الحائط البارد.
ثم التفتُّ نحو أمي وقلت بصوت مرتجف:
“كيف…؟”
بكت وهي تتراجع للخلف.
“كنت أفعل ما يحميك.”
صرختُ لأول مرة:
“من ماذا؟!”
لكن زينب أجابت قبلها.
“من الحقيقة.”
ثم خفضت رأسها قليلًا وقالت بصوت متعب:
“اجلس يا عباس… لأن ما ستسمعه الليلة سيهدم كل شيء تعرفه عن نفسك.”
لم أعرف لماذا جلست فعلًا.
ربما لأن قدميّ لم تعودا تحملانني.
جلست فوق صندوق خشبي قديم بينما كان قلبي يضرب بعنف داخل صدري.
أما سارة فكانت تراقبني بصمتٍ حزين.
ثم قالت بهدوء:
“حين حبستني هنا الليلة… اكتشفت هذا المكان بالصدفة.”
أغلقتُ عيني للحظة من شدة الخزي.
حتى الآن لم أستطع النظر مباشرة إلى أثر أصابعي فوق ذراعها.
لكنها أكملت:
“كنت أبحث عن أي شيء أفتح به الباب… فسقط أحد الصناديق، واكتشفت الممر.”
ثم نظرت نحو زينب.
“وهنا رأيتها.”
ابتلعتُ ريقي بصعوبة.
وسألتُ زينب:
“كيف أصبحتِ… أمي؟”
ارتجفت شفتاها قليلًا.
ثم قالت:
“لأنني أنجبتك.”
شعرتُ بأن رأسي يدور مجددًا.
لكنها تابعت قبل أن أتكلم:
“قبل أكثر من ثلاثين سنة… أحببت رجلًا اسمه حامد.”
خفضت أمي رأسها فور سماع الاسم.
أما زينب فتابعت بصوت هادئ متعب:
“كان فقيرًا… لكنه أحبني بصدق.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة باهتة.
“كان يخجل من فقره كثيرًا، وكان يقول دائمًا إنه لا يريد أن يأخذني إلى حياةٍ كلها ذل وعوز.”
أغمضت عينيها للحظة.
“لهذا تزوجنا عرفيًا في البداية.”
ثم نظرت إليّ مباشرة.
“قال إنه سيسافر فترة قصيرة فقط… يعمل ويجمع مالًا، ثم يعود ليأخذني ونعيش معًا بشكل محترم أمام الناس.”
ابتلعتُ ريقي بصعوبة بينما كانت تكمل:
“كان يحلم ببيت صغير وغرفة لنا… وحياة عادية جدًا.”
ارتجف صوتها قليلًا.
“لكن بعد سفره بأشهر… اختفى.”
ساد الصمت.
ثم قالت:
“لم تصلني منه رسالة واحدة.”
أخفضت رأسها.
“وانقطعت أخباره تمامًا.”
ثم رفعت عينيها نحوي ببطء.
“وبعدها اكتشفت أنني حامل.”
شعرتُ بأن أنفاسي أصبحت أثقل.
أما أمي فمسحت دموعها بعصبية وهي تتمتم:
“لم يكن أمامنا حل.”
لكن زينب نظرت إليها مباشرة وقالت:
“كان أمامنا ألف حل… إلا الذي فعلتِه بي.”
ثم أكملت بصوت متعب:
“كنت خائفة يا عباس… خائفة من الناس… من كلامهم”
وأشارت بيد مرتجفة نحو أمي.
“وكانت أختي لا تنجب… وزوجها مات قبلها بفترة قصيرة.”
أغمضتُ عيني للحظة.
وبدأت القطع تتجمع داخل رأسي ببطء مرعب.
قالت زينب:
“هي من اقترحت الأمر.”
رفعت بصري نحو أمي.
فهمست وهي تبكي:
“كنت أحاول حمايتكما.”
لكن زينب أكملت:
“قالت إننا سنخبر الناس أن الطفل ابن زوجها الراحل… وأنها كانت حاملًا قبل مو*ته.”
ثم نظرت إليّ بعينين غارقتين بالوجع.
“وذلك الطفل… كان أنت.”
وضعتُ يدي فوق وجهي بالكامل.
شعرتُ بأنني أختنق.
طفولتي كلها بدأت تبدو مزيفة فجأة.
حتى اسمي لم أعد أعرف لمن ينتمي.
همستُ بصعوبة:
“ولماذا وافقتِ؟”
أغمضت زينب عينيها طويلًا.
ثم قالت:
“لأنني كنت ضعيفة.”
نزلت دموعها ببطء وهي تكمل:
“كنت أظن أن الأمر مؤقت فقط… حتى يعود حامد.”
ثم ابتسمت ابتسامة مكسورة.
“كنت أقول لنفسي إنه سيعود قريبًا… وسيأخذني أنا وأنت.”
تنهدت بتعب.
“لكن السنوات مرت.”
ثم نظرت نحوي مباشرة.
“وأنت بدأت تناديها أمي.”
شعرتُ بشيء حاد يمزق صدري.
أما هي فأكملت بصوت مرتعش:
“وفي كل مرة كنت تناديني فيها خالتي… كنت أشعر أن قلبي يُذبح.”
ساد الصمت للحظات طويلة.
ثم مسحت دموعها فجأة وقالت:
“وبعد سبع سنوات… وصلت رسالة.”
رفعتُ رأسي ببطء.
أما أمي فتوتر وجهها فورًا.
تابعت زينب:
“كانت من حامد.”
شعرتُ بأن المكان يضيق حولي أكثر.
ثم أكملت:
“كتب لي أنه لم يهرب مني… وأنه تعرض لحادث بعد سفره، ثم دخل السجن ظلمًا في قضية لم يفعلها.”
ارتجفت شفتاها وهي تحاول ألا تبكي.
“وقال إنه ظل سنوات يحاول النجاة… وأنه أول ما خرج، وعرف يجمع بعض المال ويستأجر مكانًا صغيرًا… بحث عني فورًا.”
أخفضت زينب عينيها نحو الأرض، بينما كانت أصابعها ترتجف فوق طرف عباءتها.
ثم قالت بصوت متعب:
“وقال إنه يريد أن نبدأ من جديد.”
ساد الصمت داخل الممر.
لكنني رأيت وجه أمي يتغير فجأة.
ذلك الخوف القديم عاد إلى عينيها من جديد.
أما زينب فأكملت وهي تحاول حبس دموعها:
“كتب لي أنه استأجر غرفة صغيرة، وأنه يريد أن يأخذني أنا وأنت ونبدأ حياة جديدة بعيدًا عن كل شيء.”
شعرتُ بأن صدري يضيق أكثر.
ثم سألتها بصوت خافت:
“وماذا فعلتِ؟”
ابتسمت ابتسامة صغيرة مكسورة.
“بكيت طوال الليل.”
ثم رفعت عينيها نحوي.
“كنت أظن أن الله أعاد روحي إليّ.”
أما أمي فصرخت فجأة:
“لأنه كان سيأخذك مني!”
التفتُّ إليها ببطء.
كانت تبكي بانهيارٍ حقيقي لأول مرة.
ثم قالت وهي تشير نحو زينب:
“هي لا تفهم! كنتُ أحبك يا عباس! كنتُ أخاف أن تخطفك مني!”
لكن زينب ردّت بصوت موجوع:
“لأنه ابني.”
ارتجف وجه أمي بالكامل.
ثم قالت بعصبية:
“وأنا من ربّاه! أنا من سهر عليه حين مرض! أنا من حمله إلى الأطباء! أنا من حفظتُ اسمه وملابسه وأيامه!”
كانت تبكي بجنون الآن.
“كنتِ تريدين أخذه ببساطة بعد سبع سنوات؟!”
أخفضت زينب رأسها قليلًا.
ثم قالت:
“لم أكن أريد حرمانك منه.”
“بل كنت سأحرم منه إذا ذهبت الى حامد”
ساد الصمت للحظات طويلة.
ثم سألتُ بصوت مرهق:
“وماذا حدث بعد الرسالة؟”
تنفست زينب ببطء.
ثم قالت:
“كتبتُ له ردًا.”
شعرتُ بأن أنفاسي توقفت.
أما أمي فأغمضت عينيها فورًا.
وتابعت زينب:
“قلت له إنني انتظرته كل هذه السنوات… وإنني أريد رؤيته.”
ارتجفت شفتاها وهي تكمل:
“واتفقنا أن يرسل رجلًا يعرفه ليأخذني إليه.”
رفعتُ بصري نحو أمي.
كانت تبكي بصمت الآن.
أما زينب فأكملت:
“في تلك الليلة… أخبرتُ أختي بكل شيء.”
أغلقتُ عيني للحظة.
كنت أعرف ما سيأتي.
لكن سماعه كان أصعب مما تخيلت.
قالت زينب:
“في البداية… كانت هادئة.”
ثم ابتسمت ابتسامة موجوعة.
“هادئة بشكل أخافني.”
خفضت رأسها.
“قالت إنها تفهمني… وإنها لن تمنعني من الذهاب.”
سكتت لحظة.
ثم رفعت عينيها نحوي ببطء.
“لكنها دخلت غرفتي ليلًا.”
شعرتُ ببرودة تضرب أطرافي.
وأكملت:
“كانت تحمل الرسالة الثانية التي أرسلها حامد.”
انعقد حاجباي.
“رسالة ثانية؟”
هزّت رأسها ببطء.
“كان يسأل لماذا لم أذهب مع الرجل الذي أرسله… ويقول إنه سينتظرني يومًا آخر.”
ثم نظرت نحو أمي.
“لكنني لم أرَ تلك الرسالة وقتها.”
التفتُّ نحو أمي فورًا.
فانهارت باكية.
وقالت بصوت مكسور:
“كنت خائفة!”
صرختُ لأول مرة:
“ماذا فعلتِ؟!”
وضعت يديها فوق وجهها وهي تبكي بعنف.
لكن زينب أجابت بدلًا منها:
“هي من ردّت عليه.”
شعرتُ بأن قلبي توقف.
ثم أكملت:
“كتبت له رسالة باسمي.”
بدأت أمي تهز رأسها بعنف وهي تبكي.
أما زينب فقالت بصوت مختنق:
“قالت له: لا تبحث عني مرة أخرى… لقد انتهى كل شيء… وأنا لا أريد رؤية وجهك.”
أغمضتُ عيني بعنف.
وشعرتُ بالغثيان.
ثم همست:
“يا الله…”
أما زينب فتابعت:
“وحين جاء الرجل الذي يعمل مع حامد مرة أخرى… قالت له إنني سافرت بعيدا وتركت البلدة.”
ثم نظرت نحوي بعينين دامعتين.
“وبعدها تغيّر كل شيء.”
سقط الصمت فوق المكان.
حتى سارة كانت تبكي بصمت.
ثم قالت زينب بصوت خافت:
“حين اكتشفتُ ما فعلته… جننت.”
ارتجفت يداها وهي تتذكر.
“صرختُ فيها… توسلتُ إليها… قلتُ لها إنك ابني… وإنه زوجي.”
ثم ابتسمت بمرارة مؤلمة.
“لكنها كانت قد تعلقت بك أكثر مما تعلقتُ أنا.”
رفعتُ بصري نحو أمي.
كانت ترتجف بالكامل.
ثم قالت بصوت باكٍ:
“كنت أخاف أن تتركاني وحدي…”
لكن زينب أكملت كأنها لم تسمعها:
“تعاركنا بعنف تلك الليلة.”
خفضت عينيها نحو الأرض.
“دفعتُها… فضربتني بشيءٍ حديدي فوق رأسي.”
شهقتُ دون وعي.
أما هي فأشارت إلى جانب رأسها المرتجف.
“استيقظتُ هنا.”
نظرتُ حولي بصدمة.
إلى الممر.
إلى الجدران الرطبة.
إلى المكان الذي عاشت فيه سنوات عمرها.
ثم همستُ:
“كل هذه السنوات…؟”
نزلت دموعها ببطء.
“في البداية كانت تغلق الباب عليّ دائمًا.”
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة.
“لكن بعد سنوات… لم أعد أحاول الهرب.”
شعرتُ بأن شيئًا داخلي ينكسر.
أما هي فأكملت:
“كنت أسمع صوتك فوقي وأنت تكبر.”
ارتجف صوتها.
“أسمعك تضحك… تبكي… تلعب… وتنادِيها أمي.”
ثم أجهشت بالبكاء.
“وكنت أبقى هنا… مثل ميتة.”
وضعتُ يدي فوق فمي.
لم أعد قادرًا على التنفس.
أما أمي فاقتربت مني على ركبتيها وهي تبكي:
“عباس… أقسم بالله أحببتك.”
نظرتُ إليها ببطء.
فأكملت بانهيار:
“في البداية كنت أريد حمايتكما فقط… لكنني تعلقت بك… كنت ابني.”
ثم أمسكت طرف ثوبي وهي تبكي:
“كنت أخاف أن تخسرني.”
نزعتُ ثوبي من يدها ببطء.
ثم نظرتُ إليها طويلًا.
امرأة ربتني.
أطعمتني.
سهرت عليّ.
وأخفت عني أمي الحقيقية تحت البيت ثلاثين سنة.
شعرتُ بأن رأسي سينفجر.
ثم تذكرت فجأة سارة.
التفتُّ نحوها بسرعة.
كانت جالسة بصمت، ووجهها شاحب من التعب.
وفجأة رأيت آثار أصابعي الزرقاء فوق ذراعها.
في اللحظة نفسها…
شعرتُ بالقرف من نفسي.
يا الله…
أنا فعلت بها ما فعلته أمي بزينب.
صدّقتُ الظلم لأنني تربيت داخله.
رفعت سارة عينيها نحوي.
وكانت نظرتها أكثر ما قت*لني.
لم تكن خائفة.
بل مكسورة.
كأنها تنظر إلى رجلٍ لم تعد تعرفه.
اقتربتُ منها ببطء.
ثم جلست أمامها على ركبتيّ.
خرج صوتي مخنوقًا:
“سارة…”
لكنها أبعدت وجهها.
فشعرتُ بسكينٍ يغرس داخل صدري.
ثم قالت بهدوء متعب:
“حين حبستني هنا الليلة… فهمت كل شيء.”
أخفضتُ رأسي.
أما هي فأكملت:
“الظلم لا يبدأ فجأة يا عباس.”
ساد الصمت.
ثم وضعت يدها فوق بطنها وهمست:
“إن لم توقفه… ينتقل من جيلٍ إلى جيل.”
ارتجف جسدي بالكامل.
ونظرتُ نحو أمي.
لأول مرة في حياتي…
لم أرَ فيها الضحية.
بل رأيت امرأة دمّرت الجميع خوفًا من الوحدة.
ثم التفتُّ نحو زينب.
كانت تبكي بصمتٍ مرهق، وكأنها لم يعد لديها طاقة لأي شيء.
عندها فقط فهمت الحقيقة كاملة.
هذه الليلة لم تكشف سر أمي فقط…
بل كشفت الرجل الذي أصبحتُه أنا أيضًا.
ونهضتُ ببطء.
ثم نظرتُ إلى أمي وقلت بصوتٍ لم تعرفه مني من قبل:
“سينتهي هذا الليلة.”
اتسعت عيناها بخوف.
أما أنا فاتجهت نحو الباب الخشبي للممر.
ثم توقفت للحظة.
ونظرتُ خلفي إلى زينب.
إلى أمي.
إلى سارة.
إلى الخراب الذي صنعه الخوف داخل هذا البيت.
ثم قلت بهدوء موجع:
“غدًا… سنغادر انا وزوجتي وأمي الى منزل أخر، وايضا سأبحث عن إبي.”
وفي تلك اللحظة تحديدًا…
انفجرت أمي بالبكاء كأنها أدركت أخيرًا أنها خسرتني للأبد.
تحركت ببطء، بينما كانت قدماي ترتجفان كأنهما لم تعودا تعرفان حمل جسدي.
كل شيء حولي أصبح مشوشًا.
الجدران.
الوجوه.
الدموع.
حتى صوت أنفاسي بدا بعيدًا وغريبًا.
نظرتُ إلى زينب الجالسة فوق الفراش القديم.
امرأة سُرقت حياتها بالكامل.
ثم نظرتُ إلى أمي…
المرأة التي ربتني وأطعمتني وأخفت الحقيقة تحت قدميّ ثلاثين عامًا كاملة.
وأخيرًا نظرتُ إلى سارة.
إلى آثار أصابعي فوق ذراعها.
فشعرتُ بالغثيان.
يا الله…
أنا كررتُ الظلم نفسه.
خرجتُ من الممر بخطوات متعثرة.
بينما كانت أمي تبكي خلفي بانهيارٍ لم أعهده منها يومًا.
لكنني لم أستطع الالتفات.
كنت أشعر أن رأسي سينفجر من كثرة ما سمعته.
وصلتُ إلى الصالة.
ثم جلست فوق الكرسي الخشبي القريب من الباب.
وضعتُ يدي فوق وجهي.
وحاولتُ أن أتنفس.
لكن الهواء كان ثقيلًا بشكل مؤلم.
كل شيء كذبة.
طفولتي.
ذكرياتي.
حتى كلمة “أمي” لم أعد أعرف لمن تخص.
أغمضتُ عيني للحظة.
فسمعتُ صوت زينب داخل رأسي:
“وفي كل مرة كنت تناديني فيها خالتي… كان قلبي يُذبح.”
شعرتُ بشيء ينكسر داخلي تمامًا.
وفجأة…
دوّى طرقٌ قوي على باب البيت.
رفعتُ رأسي ببطء.
الطرق تكرر مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
نهضتُ كأنني أتحرك داخل حلم ثقيل.
واتجهت نحو الباب.
وحين فتحته…
تجمّدتُ مكاني.
كان هناك رجل يقف عند العتبة.
في أواخر الخمسينات ربما.
ملابسه قديمة ومتعبة من السفر.
ولحيته يغزوها الشيب.
وفي يده حقيبة جلدية مهترئة.
لكن أكثر ما شدّني…
كانت عيناه.
عينان مرهقتان تحملان عمرًا كاملًا من التعب والبحث.
نظر الرجل إليّ طويلًا.
ثم قال بصوت أجش متعب:
“أنا أبحث عن امرأة اسمها زينب…”
شعرتُ بأن الدم انسحب من وجهي.
أما هو فأكمل:
“قالوا إنها كانت تعيش هنا.”
ساد صمت ثقيل.
ثم رفع عينيه نحوي بشكلٍ أوضح.
وفجأة…
تجمّد.
سقطت الحقيبة من يده ببطء.
وظل يحدّق في وجهي كأنه يرى شبحًا.
ثم همس بصوت مرتعش:
“أنت…”
توقفت أنفاسي.
أما هو فاقترب خطوة واحدة فقط.
وعيناه لا تفارقان ملامحي.
ثم قال بصوتٍ مكسور:
“أنت تشبهني كثيرًا.”
تمت





