سليم الشهاوي وورد البدراوي ج٢

خبر إن ورد أنقذت عم عامر من الثور انتشر أسرع من أي حكاية اتقالت عن أصلها وأصل أمها.
مع وقت العشا في نفس اليوم، كان كل اللي في سكن العمال عرفوا إنها جريت ناحية الثور عشان تنقذ عم عامر، وإنها ما اترددتش لحظة واحدة.
ورد لاحظت التغيير في معاملة الناس الليلة دي. تغيير بسيط، لكنه حقيقي.
الرجالة اللي كانوا بيتعاملوا معاها بحذر، وبيكتفوا بكلمتين على قد الحاجة، بقوا يبصولها في عينيها وهي بتصب لهم القهوة، ويهزوا راسهم لها تحية.
واحد من الرجالة الكبار، اسمه عم صابر، واللي ما كانش قال لها تلات كلمات على بعض طول الأسبوعين اللي فاتوا، قال لها بصوت واطي وهي معدية من جنبه:
“عملتي شغل عظيم النهارده يا بنتي.”
الكلام دخل قلبها ودفّاه، كأنه حاجة كانت محتاجاها من زمان.
كانت بتلم الأطباق من آخر الترابيزة، لما حست بوجود حد واقف وراها.
سليم الشهاوي.
بقاله اتناشر يوم ما أكلش معاهم في مكان أكل العمال، وما كلمهاش غير من خلال التعليمات اللي كان راضي بيوصلها لها.
ودلوقتي، كان واقف عند طرف المكان، بيراقبها بنفس الطريقة اللي بص لها بيها أول ليلة، كأنه بيحاول يفهم حاجة.
قال لما ورد لفتت ناحيته:
“آنسة ورد.”
ردت:
“أيوه يا أستاذ سليم.”
سكت لحظة طويلة، لدرجة إنها افتكرت إنه ممكن يلف ويمشي تاني، زي ما عمل طول الأسبوعين اللي فاتوا.
لكنه قال:
“عم عامر حكالي اللي عملتيه.”
ردت ورد بهدوء:
“عملت اللي أي حد مكاني كان هيعمله.”
قال سليم:
“لأ، مش أي حد. ناس كتير كانت ممكن تتجمد مكانها من الخوف.”
بصلها بثبات، ولأول مرة من ليلة العشا اللي اتعملت في عزبة الشهاوي، ملامحه اتغيرت شوية. كان فيه لين بسيط في نظرته، كأنه بدأ يشوف فيها حاجة غير الصورة اللي رسمها عنها من أول يوم.
قال:
“إنتِ ما اتجمدتيش.”
ردت ورد:
“اتعودت ما اتجمدش. الحياة بتديني فرص كتير عشان أتعلم.”
حاجة خفيفة عدّت على ملامحه، وكانت قريبة من الابتسامة.
قال سليم بصوت هادي:
“أنا مدين لك باعتذار.”
قالها بحذر، كأن الاعتراف ده مش سهل عليه.
وكمل:
“على الطريقة اللي كلمتك بيها لما اتكلمنا عن أبويا. أنا خليت حزني القديم يتحكم في قرارات ما كانش من حقه يتحكم فيها.”
ردت ورد:
“من حقك تحزن على أبوك يا أستاذ سليم.”
قال:
“أيوه، من حقي.”
فضل باصلها، وبعدين كمل:
“لكن مش من حقي ألومك على حزني. اللي عملته كان غلط، وأنا كنت عارف إنه غلط حتى وأنا بعمله، وده خلّى الموضوع أسوأ.”
ورد فضلت تتأمله.
صاحب العزبة، اللي الكل بيحسب له ألف حساب، واقف قدامها وبيعترف إنه غلطان، من غير أعذار ولا محاولة يبرر بيها تصرفاته.
قالت:
“شكرًا إنك قلت لي كده.”
رد سليم:
“دي الحقيقة. وإنتِ باين عليكِ إنك مش بتقبلي أي حاجة أقل من الحقيقة.”
ابتسمت ورد ابتسامة صغيرة وقالت:
“ابتديت تفهمني.”
والمرة دي، سليم ابتسم لها فعلًا، حتى لو كانت ابتسامة خفيفة ما استمرتش غير لحظة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *