ظننت أنني فقط أُطعم رجلًا محتاجًا من الشارع…

“هذا الرجل… ماټ منذ ثلاثين عامًا.”
سقط الصمت في الغرفة كصخرة ثقيلة.
تراجَع الرجل خطوة إلى الخلف، وارتسم الخۏف على وجهه:
“أنا… لا أعرفكما… أقسم…”
لكن يمينة لم تستمع.
كانت تبكي الآن، ودموعها تنهمر بلا توقف.
ثم قالت، وهي تحدّق فيه كأنها تخشى أن يختفي:
“قلتَ إن اسمك الطيب…
لكن هذا ليس اسمك الحقيقي… أليس كذلك؟”
سكت لحظة، مرتبكًا.
فصړخت فجأة:
“اسمك… عبد القادر.”
تجمّدت ملامحه.
اتّسعت عيناه… وكأن كلمة واحدة أيقظت شيئًا نائمًا داخله منذ زمن بعيد.
اقتربت منه ببطء، خطوة… خطوة…
ثم توقفت أمامه مباشرة.
وقالت بصوت مكسور:
“أنت… أبي.”
اختفى الهواء من الغرفة.
نظرت إليها غير مصدّق ثم إليه.
كان من المفترض أن والد يمينة قد ټوفي منذ ثلاثين عامًا، في حاډث فيضانات مروّع قرب سطيف،
وجرفت المياه السيارة… ولم يُعثر على ج*ث*ته أبدًا.
هكذا أخبرتني منذ بداية زواجنا.
هكذا عاشوا على قبرٍ بلا جسد.
لكن الآن هو يقف أمامنا حيًّا ولا يتذكّر شيئًا.
رفع الرجل يده ببطء إلى رأسه، وكأنه يحاول الإمساك بذكرى تهرب منه.
تمتم بصوت ضعيف:
“أنا… لا أتذكر… لكن هذا الاسم…”
ثم سكت فجأة تغيّرت ملامحه.
ظهر ألم غريب في عينيه كأن بابًا قد فُتح داخل رأسه… لكن خلفه عاصفة لا تُحتمل.
تراجع خطوة، وهو يضغط على صدغه بقوة.
ثم قال بصوت مرتجف:
“هناك… ماء… كثير من الماء وسيارة تنقلب”
شهقت يمينة.
أما أنا… فشعرت أن شيئًا أكبر مما نتخيّل بدأ ينكشف.
لكن السؤال الذي لم أجد له إجابة…
كيف يمكن لرجلٍ أُعلن مۏته منذ ثلاثين عامًا…
أن يعود فجأة… دون ذاكرة…
ودون أن يعرف حتى اسم ابنته؟
والأخطر من ذلك…
ماذا حدث في تلك الليلة قبل ثلاثين عامًا…
حتى اختفى كل هذا الزمن… ثم عاد الآن؟
لم ننم في تلك الليلة.
جلسنا جميعًا في غرفة المعيشة، والوقت يمر ببطء ثقيل، كأن الساعات ترفض أن تتحرك أمام ما يحدث.
كانت يمينة تجلس بجانبه، تمسك بيده بقوة… وكأنها تخشى أن يختفي مرة أخرى إن تركته.
أما هو… فكان شاردًا.
عيناه تتحركان بيننا، بين الجدران، بين الصور المعلّقة…
كأنه يحاول أن يربط بين أشياء لا يفهمها.
وضعت له بطانية، وقدّمت له كوب شاي ساخن.
أخذ رشفة صغيرة، ثم قال بصوت منخفض:
“أنا لا أفهم… كيف يمكن أن أكون… أباكِ؟”
ابتسمت يمينة وسط دموعها، وقالت:
“لأنك كذلك… حتى لو نسيت.”


