لم يتردد حماي في مدّ يده على أمي

وخسرت تلك العائلة أكثر من صفقة.

خسرت الوهم الذي عاشت عليه سنوات.

الوهم الذي جعلها تظن أن كل شيء ملك لها.

وأننا مجرد ضيوف يجب أن نظل ممتنين.

وكان سقوط ذلك الوهم أشد عليهم من أي حكم قضائي.

طلب زوجي أن يراني للمرة الأخيرة أثناء جلسة التسوية.

عندما دخل، بدا مختلفاً.

أنحف مما كان عليه.

ومرهقاً.

وكأنه فقد السند الذي كان يستمده من عائلته.

جلس أمامي للحظات دون أن يتكلم.

ثم قال أخيراً:

“خذلتك.”

نظرت إليه بهدوء.

وقلت:

“نعم.”

ابتلع ريقه بصعوبة.

ثم قال:

“لم أكن أستطيع الوقوف في وجه والدي.”

أجبته:

“وبسبب عجزك عن الوقوف في وجهه، حاولت أن تحولني إلى توقيع مزور على ورقة.”

خفض رأسه.

وبقي صامتاً للحظات.

ثم سأل:

“ألا توجد أي فرصة لنعود كما كنا؟”

فكرت في السنوات الجميلة التي عشناها.

لأنها كانت موجودة بالفعل.

تذكرت أحلامنا الصغيرة.

والخطط التي رسمناها معاً.

والضحكات التي ملأت أيامنا في وقت من الأوقات.

لكنني تذكرت أيضاً خد أمي المتورم.

وتذكرت أصابعه وهي تضغط على معصمي.

وتذكرت الأوراق التي حاول تمريرها من خلف ظهري.

فرفعت رأسي وقلت:

“لا.”

ثم أضفت:

“البيت يمكن تغيير أقفاله.”

“أما بعض القلوب، فلا يمكن إصلاح ما انكسر فيها.”

بعد أشهر، عادت أمي، أمينة، إلى التطريز والخياطة.

لكن هذه المرة لم تكن تعمل لأنها مضطرة.

بل لأنها تحب أن ترى يديها تصنعان شيئاً جميلاً.

حولت إحدى غرف المنزل إلى مشغل صغير لها.

وعلقت على الباب لوحة خشبية بسيطة كتبت عليها:

“مشغل أمينة للتطريز.”

عندما رأت اللوحة ضحكت وقالت:

“يا ابنتي، أنتِ تبالغين في كل شيء.”

لكنها لم تنزعها أبداً.

وفي العام التالي، عندما جاءت المناسبة العائلية نفسها التي بدأت عندها كل الأحداث، لم أدعُ أحداً من عائلة زوجي السابق.

اجتمعنا نحن فقط.

أنا وأمي.

وابنة خالتي.

وصديقتان مقربتان.

وكانت المائدة بسيطة.

لكنها كانت مريحة.

وخالية من الخوف.

وخالية من التكبر.

وخالية من أي شخص يظن أن مكانته تمنحه الحق في إهانة الآخرين.

وقبل أن نبدأ الطعام، جلست أمي في صدر المجلس.

ولم ينظر إليها أحد باستغراب.

ولم يعترض أحد.

ولم يرفع أحد صوته.

ولم يخبرها أحد أنها لا تنتمي إلى هذا المكان.

كسرت قطعة من الخبز.

ثم نظرت إليّ مبتسمة وقالت:

“الآن فقط أشعر أن للطعام طعماً.”

ابتسمت وأنا أنظر إليها.

وأدركت حقيقة تأخرت سنوات في فهمها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *