سخرت المدعية العامة من طفلٍ يلمّع الأحذية

ثم أخرجت ظرفًا صغيرًا من حقيبتها ووضعته فوق الطاولة بسرعة قبل أن تعترض فاطمة.
وقالت:
هذا ليس صدقة… هذا حقه. سأرسل مبلغًا كل شهر لتعليم أمير وعلاجه وكل ما يحتاجه. أريده أن يعود إلى المدرسة… أن يعيش حياة تليق به.
عقدت فاطمة حاجبيها وقالت ببرود:
ولماذا الآن؟
ابتلعت إليف ألمها بصعوبة.
ثم همست:
لأنني حين رأيته اليوم… فهمت أن الله لم يعاقبني بابتعاده عني.
رفعت عينيها الممتلئتين بالدموع نحو العجوز وأكملت:
عاقبني بأن أراه أمامي… ولا أملك حق الاقتراب منه.
ساد الصمت داخل الغرفة.
وفي تلك اللحظة عاد أمير يحمل كوب الماء لجدته دون أن يفهم شيئًا مما قيل.
اقتربت إليف ببطء من الباب.
ثم توقفت للحظة ونظرت إلى أمير طويلًا.
كانت تريد أن تضمه.
أن تخبره بالحقيقة. أن تعتذر عن سبع سنوات كاملة.
لكنها أدركت أن بعض الاعتذارات…
تأتي متأخرة أكثر مما ينبغي.
فاكتفت بابتسامة صغيرة متعبة وقالت:
أنت طفل شجاع جدًا يا أمير.
نظر إليها الصبي بحيرة خفيفة.
ثم سأل:
هل ستأتين مرة أخرى؟
ارتجفت شفتا إليف للحظة.
ثم نظرت نحو فاطمة قبل أن تجيب بهدوء:
إذا سمحت لي جدتك.
لم ترد فاطمة.
أما إليف…
فاكتفت بهزة رأس خفيفة ثم غادرت البيت تحت المطر البارد.
وبعد ثوانٍ…
ركض أمير نحو النافذة الصغيرة.
وظل يراقب السيارة السوداء وهي تبتعد ببطء في آخر الزقاق.
ثم سأل جدته بصوت خاڤت:
لماذا أشعر أنني أعرفها؟
أغمضت فاطمة عينيها طويلًا.
ثم قالت بتعب:
بعض الناس… يتركون شيئًا منهم داخل قلوبنا حتى بعد الغياب.
سكت أمير.
ثم عاد إلى صندوق تلميع الأحذية المكسور في زاوية الغرفة…
وجلس يحاول إصلاحه بصمت.
بينما كانت إليف، في الطرف الآخر من المدينة…
تبكي للمرة الثانية فقط منذ سنوات، غير عابئة إن كان أحد يراها.
ولأول مرة منذ زمنٍ طويل…
لم تشعر أنها المرأة الحديدية التي اعتادت النجاة دائمًا.
بل أمٌّ…
وصلت متأخرة أكثر مما ينبغي.
وفي تلك اللحظة،
شعرت أن قلبها انكسر بالكامل.
ليس لأنها خسرته…
بل لأنها أدركت، متأخرة جدًا،
أن الله لا يعاقب بعض الأمهات بحرمان أطفالهن منهن…
بل بأن يبقوا قريبين منهم طوال الوقت،
دون أن يملكن يومًا الحق في أن يُطلق عليهن اسم “أم”.




