سخرت المدعية العامة من طفلٍ يلمّع الأحذية

بينما بقي رجال الأمن ينظرون إلى بعضهم باستغراب.

لم يحدث يومًا أن سمحت إليف لطفل شارع بالاقتراب منها.

كانت المرأة نفسها التي أمرت قبل أشهر بإبعاد الباعة المتجولين عن محيط المحكمة بحجة حفظ النظام”.

أما الآن فكانت واقفة بلا حركة، تنظر إلى طفل يلمّع حذاءها.

راقبت أصابعه الصغيرة وهي تتحرك بسرعة فوق الجلد الأسود.

أصابع متشققة. أصابع طفل لا يجب أن يكون هنا أصلًا.

سألته فجأة:
أين والداك؟

توقفت الفرشاة بين يدي أمير للحظة قصيرة.

ثم خفض عينيه وعاد يلمّع الحذاء ببطء وهو يقول:
أبي ماټ.

شعرت إليف وكأن شيئًا حادًا انغرس داخل صدرها.

اختفى الهواء من رئتيها للحظة، واضطربت أنفاسها رغم محاولتها التماسك.

يونس ماټ؟

ذلك الرجل الذي أحبّته يومًا أكثر من نفسها…
الرجل الذي كانت تظن أنه سيكرهها إلى الأبد لكنه سيبقى حيًا على الأقل…

ماټ.

رمشت بسرعة محاولة منع الدموع التي بدأت ټحرق عينيها.

ثم سألت بصوتٍ خاڤت مرتجف:
ووالدتك يا أمير؟

سكت أمير عدة ثوانٍ.

حتى ظنت أنه لن يجيب.

ثم قال ببساطة مؤلمة:
لا أعرفها.

انقبض قلبها پعنف.

أما الطفل…

فبقي ينظف الحذاء وكأنه يتحدث عن شخص غريب لا يعنيه.

قال أحد الحراس محاولًا إنهاء الموقف:
سيدتي، الاجتماع سيبدأ خلال عشر دقائق.

أومأت إليف دون أن تنظر إليه.

ثم سألت أمير:
مع من تعيش؟

مع جدتي فاطمة.

أين؟

تردد قليلًا.

كان واضحًا أن جدته علمته ألا يخبر الغرباء بمكانهما.

لم يرد عليها.

أنهى تلميع الحذاء ثم رفع رأسه أخيرًا وقال بصوت صغير:
انتهيت يا سيدتي.

نظرت إليف إلى الحذاء اللامع ثم إلى وجهه.وأخرجت المال مرة أخرى.

هذه المرة أخذه أمير بتردد، لأنه عمل مقابله فعلًا.

لكنها أعطته أكثر بكثير من عشرين ليرة.

وحين لاحظ الرقم ارتبك بسرعة وقال:
سيدتي… هذا كثير.

قالت ببرود تخفي خلفه ارتباكًا:
اعتبره لأنك أتقنت عملك.

ثم استدارت ودخلت مبنى النيابة بخطوات سريعة.

لكنها ما إن وصلت مكتبها حتى أغلقت الباب پعنف.

وسقطت أنفاسها دفعة واحدة.

وضعت يديها فوق المكتب تحاول التماسك.

إلا أن صورة الطفل لم تغادر رأسها.

أمير يونس يلماظ.

ذلك الاسم وحده كان كافيًا ليعيدها سبع سنوات إلى الخلف…

إلى الليلة التي دمّرت حياتها كلها.

وقتها كانت إليف مجرد محامية شابة تحاول إثبات نفسها داخل عالم لا يرحم النساء بسهولة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *