سليم الشهاوي وورد البدراوي ج١

الجزء التالت: مش كل الناس هتقبلها
الأيام اللي جت بعد كده كان ليها شكل غريب.
سليم حافظ على المسافة اللي حطّها بينهم، وبقى يتعشّى لوحده في مكتبه، زي ما قال. وما بقاش يتكلم مع ورد إلا عن طريق راضي، عامل العزبة اللي عنده تمنتاشر سنة، واللي بدأ يقضي وقت حوالين المطبخ بطاقة شاب نفسه يساعد، لكنه مش عارف بالظبط يعمل إيه.
في صباح من الصباحات، دخل راضي وهو ماسك قبعته بإيديه، ومش باصص لها بشكل مباشر.
قال: «الأستاذ الشهاوي بيسأل إذا كنتِ محتاجة أي مؤن من البلد.»
ردت ورد: «قوله إني محتاجة فلفل حار مجفف، وكمية أكبر من اللحمة المجففة والمملحة. وقوله كمان إني أقدر أطلب منه بنفسي لو هو حابب يبطل يبعت ولد علشان يعمل الشغل ده.»
ودان راضي احمرّت.
قال: «أنا مش ولد يا هانم.»
ردت وهي بتهدي نبرتها: «لأ، إنت مش ولد. أنا آسفة.»
ابتسم رغمًا عنه، وخرج بسرعة.
ورد فضلت تتفرج عليه وهو ماشي، وفكرت إن على الأقل فيه شخص واحد في العزبة دي مش باين عليه إنه مهتم بأصل أمها.
لكن باقي الناس كانوا مهتمين.
كانت بتحس بده في حاجات صغيرة.
في الطريقة اللي الكلام كان بيقل بيها لما تقرب من ترابيزات معينة.
وفي الطريقة اللي حكاية الحاج منصور كانت انتشرت بيها.
وفي الطريقة اللي الحكايات بتنتشر بيها دايمًا في عزبة بالحجم ده، من بُق لبُق، وكل مرة بتنتشر فيها بتكبر وتبقى أكثر قسوة.
لكن كان فيه راجل واحد ما خفّضش صوته ولا حاول يخبّي رأيه.
راجل قال الكلام في وشها مباشرة، في نص الساحة، في صباح اليوم التاسع، وقدام نص سكن العمّال تقريبًا.
كان اسمه عم عامر.
كان عدى الستين من عمره، وملامحه متأثرة بالسنين زي الحبل القديم اللي اتعرض للشمس والريح فترة طويلة.
وعرفت ورد بعدين إنه اشتغل في العزبة لمدة أطول من أي حد تقريبًا، ما عدا عم عطية، رئيس العمّال.
وقفها في الساحة وهي شايلة كمية حطب بين دراعاتها، وبصلها بنفس الطريقة اللي الواحد بيبص بيها لحاجة داس عليها بالغلط.
قال: «إنتِ البنت البدوية.»
ماكانش سؤال.
وماكانش حتى بيكلمها هي لوحدها، قد ما كان بيعلن حقيقة قدام كل الموجودين في الساحة.
قالت ورد بثبات: «أنا الطباخة.»
كانت اتدرّبت على الثبات.
قال عامر: «أنا عارف إنتِ إيه.»
صوته بقى واطي وخشن.
كمل: «أنا خسرت ابني من سنين طويلة. مجموعة من المهاجمين عدّت من ناحية الحدود. ابني حسن كان عنده تسعتاشر سنة.»
قرّب منها خطوة.
«تسعتاشر سنة. فاهمة أنا بقولك إيه؟»
الساحة حواليهم سكتت.
الرجالة كانوا عاملين نفسهم بيشتغلوا، لكن كل واحد فيهم كان بيسمع كل كلمة.
ورد نزلت الحطب على الأرض ببطء، لأن دراعاتها بدأت ترتعش، وماكانتش عايزاه يشوف ده.
كانت عايزاه يشوف صلابتها، مش ارتعاشها.
قالت: «أنا آسفة على ابنك.»
وكانت تقصد كل كلمة فعلًا.
كانت حزينة على خسارته بصدق، حتى وهي شايفة إن نفس الحزن بيتستخدم كس\لاح ضدها.
كملت: «أنا خسرت أمي من تمان شهور. وخسرت مطعم أبويا في حريق بعد كده بتلات شهور.»
«وخسرت كل حاجة كنت أملكها بسبب راجل بيشاركني في الدم، لكنه ما بيشاركنيش في الشرف.»
صوتها ما اهتزش المرة دي.
قالت: «أنا عارفة يعني إيه تخسر يا عم عامر. لكن أنا مش المجموعة اللي خدت ابنك.»
«أنا ست بتعمل عيش الساعة أربعة الفجر علشان واحد وتلاتين راجل مايجوعوش.»
«وده كل اللي أنا عليه بالنسبة لك.»
عامر فضل باصص لها.
حاجة اتحركت ورا ملامحه اللي الزمن حفرها.
ماكانش لان، مش لسه، لكن حصل شيء.
يمكن بدأ يعيد التفكير في الموضوع، بنفس الطريقة اللي ورد شافت بيها التغيير في ملامح سليم عند البوابة أول يوم، لكن المرة دي كان التغيير ممزوج بغضب أكبر، ولسه ماقررّش هيستقر على إيه.
قال عامر: «هنشوف.»
وبعدها مشي.
ورد شالت الحطب تاني. كانت إيديها لسه بتترعش.
ومع ذلك، شالت الحطب للمطبخ، لأن الموقد مش فارق معاه إيديها بتترعش ولا لأ، والفطار لسه لازم يتحضّر، سواء أهل الساحة كانوا متقبلين وجودها أو لأ.
الليلة دي، ورد فضلت صاحية وقت طويل.
سقف أوضتها الصغيرة ماكانش بيديها أي حاجة تبص عليها غير أفكارها.
وأفكارها كانت بترجع لنفس السؤال: أنا جيت هنا ليه؟
وبعدين السؤال اتحوّل لسؤال تاني: كنت هروح فين غير هنا؟
وبعدين افتكرت أمها: يا ترى كنتِ هتقوليلي أعمل إيه يا أمي؟
قامت من السرير، وولّعت المصباح الصغير، ونزلت كتاب وصفات أمها من الرف.
فتحته مش على وصفة، لكن على الصفحات الفاضية المخيطة في آخر الكتاب، اللي أمها كانت زمان بتحط فيها أعشاب مجففة، وبعد كده، في شهورها الأخيرة، بطلت تحط فيها أي حاجة.
صفحات فاضية بس، مستنية اللي يتكتب فيها.
مررت ورد صباعها على الصفحة الفاضية.
كانت أمها دايمًا بتقول، وورد قدرت تسمع صوتها في اللحظة دي بوضوح لدرجة إن الذكرى وجعتها، إن المطبخ هو الأوضة الوحيدة في أي بيت اللي أصل دم الناس فيها مالوش أهمية.
المهم بس إن الأكل يكون حلو.
وإن الشخص اللي بياكله يقوم من على الترابيزة وهو شبعان.
لو ده حقيقي، فكرت ورد، لو ده حقيقي، يبقى كل اللي محتاجة تعمله إنها تثبت ده وجبة ورا وجبة، لحد ما يبقاش عندهم أي حجة يعترضوا بيها.
لكن ده ماكانش بالظبط خطة.
كان أقرب للدعاء.
قفلت الكتاب، وطفّت المصباح، ونامت نوم متقطع.
وفي الساعة أربعة، قامت تاني وراحت المطبخ، لأن الموقد برضه ماكانش فارق معاه نوع الليلة اللي قضتها.



