طلبت مني ابنتي أن أعتني بطفليها لساعات

طلبت مني ابنتي أن أعتني بطفليها لساعات قليلة فقط ، ثم اختفت فجأة ولم تعد إلا بعد عشرة أيام ، لكنها عندما عادت لم تكن وحدها.
اقترب أحد الضباط بهدوء من العربة، ثم انحنى على ركبته ومد يده بحذر، وخلع الجورب الصغير من قدم الرضيعة.
في البداية لم أفهم ما الذي لفت انتباهه إلى كاحل طفلة لا يتجاوز عمرها أيامًا، لكن في اللحظة التالية رأيت شريطًا بلاستيكيًا أبيض يحيط بكاحلها بإحكام.
لم يكن سوار مستشفى عاديًا.
كان أرفع من المعتاد، وفي طرفه قطعة سوداء صغيرة مثبتة بجواره.
ما إن وقعت عين الضابط عليها حتى أمسك جهاز اللاسلكي بسرعة وقال بنبرة حاسمة:
أبلغوا إدارة المباحث وحماية الطفل بالحضور فورًا إلى هذا العنوان… لدينا جهاز تتبع يعمل على رضيع.
كانت ابنتي، إيمان، تجلس بهدوء على الأريكة، تضم الرضيعة إلى صدرها، ويداها متشابكتان.
لم تكن تبدو مصدومة…
بل كانت تبدو مرتاحة.
همست وأنا أحدق في السوار:
يعني إيه جهاز تتبع؟
اتجه ضابط آخر إلى النافذة وأغلق الستائر بسرعة، ثم قال:
يا مدام… ابعدي عن الشباك.
في تلك اللحظة خرج حفيداي من الممر.
كان نوح يمسك بيد أخته الصغيرة ليلى، ووقف الاثنان يحدقان في الرضيعة وكأنها ظهرت من العدم.
التفتت إيمان إليهما وقالت بهدوء:
اطلعوا فوق مع تيتا.
لكنني هززت رأسي وقلت:
لا… إنتِ هتيجي معانا.
هز الضابط الواقف عند النافذة رأسه وقال:
دي بنت حضرتك…
ثم نظر إلى الرضيعة وأضاف:
لكن الطفلة دي ممكن تكون دليل في ق/ضية.
ارتعشت إيمان عندما سمعت كلمة دليل.
وفي اللحظة نفسها بدأت الرضيعة تبكي.
ضمتها إيمان إلى صدرها أكثر وهمست:
أنا آسفة.
لم أعرف لمن كانت تعتذر.
لي…
أم للرضيعة…
أم لنفسها.
رجعت بذاكرتي عشرة أيام إلى الوراء.
اليوم الذي تركت فيه إيمان نوح وليلى عندي، وهي تبتسم وتؤكد أنها ستعود قبل العشاء.
عشرة أيام كاملة عشتها في رعب.
كنت كل ليلة أتخيل أسوأ الاحتمالات.
مرة أتصورها ملقاة على جانب طريق.
ومرة أتخيل أن شخصًا غريبًا سيرد على هاتفها.
لكنها عادت…
تحمل رضيعة لم يكن أحد منا يعرف بوجودها.
اقتربت منها وأنا أرتجف، وقلت:
إيه اللي عملتيه يا إيمان؟
رفعت رأسها ببطء.
لكن قبل أن تجيب، ارتفع بكاء الرضيعة.
عدلت البطانية حولها، وعندها فقط رأيت شيئًا جعل معدتي تنقبض.
على ذراعها اليسرى كانت هناك كدمات بنفسجية صغيرة.
وبجوارها آثار وخز إبر.
شهقت وقلت:
يا ساتر يا رب…
أسرعت إيمان تغطي ذراع الطفلة وهي تقول:
كانوا بيعملوا لها فحوصات.
ثم نظرت ناحية النافذة وهمست باسم واحد:
الدكتور فؤاد.
عرفت الاسم فورًا.
كان الدكتور فؤاد صاحب مركز الدكتور فؤاد للولادة، وهو مركز فاخر يبعد نحو ثلاثين كيلومترًا عن المدينة، وكانت إعلاناته لا تتوقف، تعرض غرفًا ناصعة البياض، وموسيقى هادئة، وأمهات يبتسمن وهن يحملن أطفالهن.
بل إنه هو نفسه الذي أشرف على ولادة ليلى.
كانت إيمان تثق به…
وكنت أنا أيضًا أثق به.
اقترب أحد الضباط منها وسألها:
يا إيمان… منين جبتي الطفلة دي؟
قالت بهدوء:
خرجتها من المركز.
تغيرت ملامحه فورًا.
وسألها:
إنتِ قصدك إنك خطفتيها؟
هزت رأسها بالنفي.
فسألها:
أمال بنت مين؟
رفعت عينيها نحوي لأول مرة، وقالت:
بنتي.
ساد الصمت في المكان كله.
خرجت مني ضحكة قصيرة رغم أن الموقف لم يكن يحتمل الضحك.
قلت وأنا أحدق فيها:
بنتك إزاي؟! لو كانت بنتك كنتِ قلتيلي… إنتِ خرجتي من هنا من عشرة أيام، وماكنتيش حامل.
وانفجرت إيمان في البكاء.
وبعد خمس دقائق، توقفت أمام المنزل سيارتان مدنيتان.
دخلت المحققة كوثر أولًا، وكانت في أواخر الأربعينيات من عمرها، يغزو الشيب جانبي شعرها، وصوتها هادئ لا تحتاج إلى رفعه أبدًا.
وخلفها دخلت أخصائية من حماية الطفل تحمل حقيبة طبية خاصة بالرضع.
تفحصتا السوار الموجود في كاحل الرضيعة دون أن تنزعاه.
ثم وضعته داخل حافظة معدنية مخصصة لحجب الإشارات.
لم أعد أفهم شيئًا.
نظرت إلى المحققة وقلت:
هو إيه اللي بيحصل؟
أجابتني بهدوء:
وده اللي بنحاول نعرفه.
لكن إيمان هزت رأسها وقالت:
ابدؤوا من مركز الدكتور فؤاد.
حدقت فيها المحققة وسألت:
ليه؟
قالت إيمان:
لأني شفت شاشة المراقبة.


