دفنا أمي بفلوس الجيران

وأطفال جعانين.
وجيران من نفس الناس اللي كانوا زمان بيلموا تبرعات علشان يساعدونا ندفن أمي.
من غير ما يعرفوا إن الست اللي بيودعوها كانت صاحبة حق بالملايين.
وعلقت على الحيطة مريلتها القديمة اللي كانت بتخبز بيها.
وعلقت جنبها المفتاح الصغير اللي كان مربوط بالشريط الأحمر.
وجنبه الصورة اللي لقيتها في الصندوق وهي لابسة الأبيض وبتبتسم ابتسامة ما كنتش شوفتها على وشها طول حياتي.
وتحت الصورة كتبت جملة واحدة فضلت تتكرر في قلبي كل يوم:
ما كانتش فقيرة…
هم اللي فقروها.
وما كانتش لوحدها…
إحنا بس اتأخرنا.
وساعات سامح بييجي.
مش علشان ياخد حاجة.
ولا علشان يتكلم كتير.
لكنه بييجي يشيل الترابيزات أو يساعد في التنضيف أو يقعد في آخر المكان ساكت أغلب الوقت.
وأنا لحد النهارده ماعرفش إذا كنت هقدر أبصله يوم وأقوله يا أخويا من غير ما أفتكر كل اللي حصل.
لكني في نفس الوقت ما بقتش أكرهه زي الأول.
يمكن لأن أمي نفسها فضلت تحبه لآخر نفس فيها.
ويمكن لأن الحياة عاقبته بطريقة أقسى من أي عقاب كنت أقدر أعمله.
أما نهلة فما رجعتش أبدًا.
وكأنها اختفت في اللحظة اللي اختفى فيها الحلم اللي كانت بتجري وراه.
وكل فترة والتانية كانت توصلني خطابات جديدة من محامي عيلة المنشاوي.
لكن إيديا ما كانتش بتترعش زي زمان.
لأنني ما بقيتش البنت المكسورة اللي كانت قاعدة تحت سقف بينقط ومش عارفة تدفع تمن الدوا.
بقي عندي محامين ومستندات وحقوق.
لكن الأهم من كل ده إن عندي الحقيقة نفسها.
وعندي صوت أمي وهي بتتكلم من سرير المستشفى بإيديها المتورمة وجسمها المنهك وقلبها اللي كان بيحارب لآخر لحظة.
الفلوس فعلًا كانت صدمة.
والاسم الحقيقي سحب الأرض من تحت رجلي.
لكن أكتر حاجة وجعتني كانت الحقيقة البسيطة اللي اكتشفتها في النهاية.
وهي إن أمي حرمت نفسها من كل حاجة كانت نفسها فيها.
مش لأنها ما كانتش تقدر تشتريها.
لكن لأن كل جنيه من الفلوس دي كان بيفكرها بالناس اللي حاولوا يمحوها من الدنيا.
والناس اللي اشتروا سكوتهم بسنين من عمرها ووجعها.
علشان كده كل ما أشوف أم بتقول إنها شبعت وهي لسه ما أكلتش لقمة واحدة وبتحط أحسن حاجة في الطبق قدام ابنها، بقرب منها وأحط قدامها طبق وأقولها تاكلي هي كمان.
لأن أمي عاشت عمر كامل بتتظاهر إنها مش محتاجة حاجة.



