دفنا أمي بفلوس الجيران

لكن رغم كل ده عمري ما قدرت أبطل أناديها فاطمة.

لأن الاسم اللي عاش معايا في كل يوم من عمري، والاسم اللي كنت بصحى وأنام عليه، والاسم اللي كنت بقوله وأنا بمسك إيديها في المستشفى، كان أغلى عندي من أي اسم مكتوب في دفاتر العائلات الكبيرة أو سجلات الحكومة.

ولما جه وقت كتابة شاهد القبر طلبت يتكتب اسمها كله:

فاطمة عبدالعال، المعروفة أيضًا باسم مريم المنشاوي.

أم عظيمة.

وست شريفة.

وصاحبة حق اتأخر كتير لكنه رجع في الآخر.

ولما الفلوس أخيرًا اتحولت، واتفتحت الحسابات، واتقفلت آخر قض*ية، واتوقفت آخر محاولة لتعطيل التنفيذ، ما فكرتش للحظة أشتري قصر ولا عربية فارهة ولا أعيش الحياة اللي الناس كلها كانت متوقعة إني أجري وراها.

لأن أول حاجة جت في بالي كانت صورة الجردل اللي كنا بنحطه تحت السقف كل شتوية.

وصوت المية وهي بتنقط طول الليل.

وشكل أمي وهي بتضحك وتقول إن الموضوع بسيط ويتصلح بعدين رغم إنها كانت عارفة إن معندناش تمن التصليح.

علشان كده أول حاجة عملتها كانت إني أصلح السقف بالكامل.

سقف جديد.

وقوي.

وآمن.

ولما نزل المطر أول مرة بعد التصليح قعدت لوحدي في الصالة أبص لفوق أكتر من ساعة كاملة وأستنى النقطة الأولى تنزل.

لكنها ما نزلتش.

ولا نقطة واحدة.

وساعتها قعدت على الأرض وعيطت زي الأطفال.

لأنني لأول مرة حسيت إن البيت نفسه أخد نفس طويل بعد سنين من التعب.

وبعدها بأيام اشتريت بطانية جديدة ناعمة ودافية باللون الأزرق اللي كانت أمي بتحبه.

وفرشتها على سريرها رغم إنها ما كانتش موجودة.

وفضلت واقفة أبص للمكان الفاضي وأفتكر كل مرة شوفتها فيها بتتغطى ببطانية قديمة خفيفة في عز البرد وتقول إنها مش بردانة.

وكل مرة كانت تضحك وتكدب علشان ما تحملنيش هم زيادة.

وساعتها لمست البطانية بإيدي وقلت بصوت واطي كأنها لسه سامعاني:

البرد خلاص مش هيوصل لك تاني يا أمي.

وبعدين بدأت أنفذ الحاجة اللي كانت أهم عندها من الفلوس نفسها.

فبيتنا القديم ما اتباعش زي ما أوصت.

واتحول لمكان مفتوح للناس كل يوم أحد.

مكان يطلع منه الخير والأكل والدفا.

وسميناه بيت فاطمة.

لأن الاسم ده هو اللي عاش مع الناس.

وهو اللي الناس حبته.

وكل يوم أحد كانت ريحة الفطاير والقهوة والشاي والأكل السخن تملأ المكان.

وكانت تيجي ستات كبار في السن.

وأمهات شايلين الدنيا لوحدهم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *