جوزي حط لابني يوسف طبق الفراخ قدامه

ومحدش اتكلم.
ومحدش اتحرك.
لكن في الثواني القليلة دي كان واضح إن أحمد شاف قدامه كل حاجة ضيعها بإيده.
شاف أول مرة شاله فيها وهو رضيع.
وشاف أول يوم مدرسة.
وشاف الليالي اللي فضل صاحي فيها جنبه وهو تعبان.
وشاف الضحكات والصور والذكريات والسنين اللي فاتت كلها مرة واحدة.
لكن بعض الخسارات لما بتحصل مبتسيبش فرصة للتراجع.
وبعض الأبواب لما بتتقفل مبتتفتحش تاني مهما حاول الإنسان.
وأحمد كان وصل للنقطة دي بالفعل.
النقطة اللي اكتشف فيها إن الإنسان ممكن يخسر فلوس ويرجع يعوضها.
وممكن يخسر بيت ويبني غيره.
وممكن يخسر شغل ويبدأ من جديد.
لكن فيه حاجات لو ضاعت مبتترجعش أبدًا.
خسر ابنه اللي رباه بإيده عشر سنين كاملة.
وخسر بيته.
وخسر اسمه.
وخسر حريته.
وقبل كل ده خسر نفسه.
أما يوسف فخرج من الحكاية كلها وهو لسه محتفظ بأغلى حاجة ممكن يمتلكها أي إنسان، حاجة أكبر من أي ميراث وأكبر من أي حسابات وأرقام وأراضي وشركات.
خرج منها بقلب نضيف.
قلب طفل لسه قادر يقول “بابا” للشخص اللي أذاه من غير ما يعرف حجم الشر اللي كان حواليه.
وساعتها وأنا ماسكة إيده وبمشي بيه خارج المحكمة، فهمت إن ربنا ممكن يختبر الإنسان بالحزن، ويختبره بالفقد، ويختبره بالمال، لكن الاختبار الأصعب دايمًا بيكون لما يحط قدامه فرصة ياخد حاجة مش من حقه ويشوف هيختار إيه.
في ناس بتنتصر على نفسها.
وفي ناس بتستسلم.
وفي ناس بتبيع عمر كامل علشان لحظة طمع واحدة.
وأحمد كان واحد من الناس اللي خسروا كل حاجة في اللحظة اللي صدقوا فيها إن الفلوس أغلى من البشر، واكتشفوا متأخر جدًا إن الثروة الحقيقية عمرها ما كانت في الميراث، لكنها كانت في الطفل اللي كان واقف قدامه بيناديه “بابا” للمرة الأخيرة.




