حماتي سابتلي علبة حلوى حكايات صابرين
حماتي سابتلي علبة حلوى ومشيت وبعدها بكام ساعة، رنت عليا لأول مرة من سنين وسألتني بإلحاح غريب يا زهراء كلتي منها؟ استغربت السؤال وقلت لها إني اديتها لبنتك في العزومة اللي عملتها. سكتت كام ثانية بعدها صرخت يا نهار أسود قوليلي إنها لسه ما داقتش منها! وفي نفس الليلة خبطت الشرطة باب بيتي وعرفت إن علبة الحلوى دي ما كانتش مجرد هدية كانت أول خيط في كارثة قلبت العيلة كلها.
كان سؤال الشرطية أكثر برودة من الكيس البلاستيكي الشفاف الذي احتوى علبة الشوكولاتة.
هل كانت حماتكِ تعلم أنكِ ستعطين الشوكولاتة لشخص آخر؟
لم أفهم فورًا سبب أهمية هذا السؤال.
فقد كان ذهني لا يزال عالقًا عند اسم علي المطبوع في خانة المرسل.
وعند تلك الفكرة المستحيلة التي تقول إن زوجي، الموجود في البصرة، قد ظهر اسمه على شحنة وصلت إلى منزلي ومعها بطاقة تحمل كلمات كأنها كُتبت باسم أمينة.
أجبت أخيرًا
لا.
لم أخبر أحدًا أنني سأحملها إلى الحفل.
ثم أضفت
اتخذت القرار في اللحظة نفسها لأنني لا أتناول السكريات.
حدقت المرأة في وجهي لثوانٍ.
وكأنها تزن كل كلمة أقولها.
ثم سألت
هل كان زوجكِ يعلم أنكِ لا تأكلين السكريات؟
نعم.
وهل كانت حماتكِ تعلم ذلك؟
ابتلعت ريقي بصعوبة.
وقلت
بالتأكيد.
أخبرتها بذلك مرات كثيرة.
ثم تنهدت قبل أن أضيف
بل كانت تسخر من الأمر أحيانًا.
كانت تقول إنني أصبحت أحتاج إلى إذن من الطبيب حتى آكل قطعة خبز.
تبادل الشرطيان نظرة سريعة.
ثم طلبا الدخول إلى المنزل.
سمحت لهما بذلك.
ولم يحدث شيء مما نراه في الأفلام.
لم يفتشا المنزل بعنف.
ولم يرفعا أصواتهما.
كانا هادئين بصورة مزعجة.
منظمين.
ودقيقين.
فحصوا سلة المهملات.
وصوروا البطاقة التي كانت لا تزال فوق الطاولة.
وطلبوا غلاف التوصيل الأصلي.
ثم جعلوني أعيد القصة كاملة أكثر من مرة.
من الذي طرق الباب؟
وفي أي ساعة؟
وماذا فعلت بالعلبة بعد استلامها؟
ومتى أخذتها إلى الحفل؟
وأين وضعتها تحديدًا؟
أجبت عن كل الأسئلة.
لكن عقلي كان في مكان آخر.
كان مع نسرين.
مع بطنها المنتفخ في شهرها السابع.
ومع تلك العادة التي كانت تفعلها دائمًا عندما تضحك.
كانت تضع يدها فوق بطنها بحنان وكأنها تحمي طفلها حتى من الهواء.
لم نكن صديقتين مقربتين.
لكننا لم نكن عدوتين أيضًا.
وفجأة…
أصبحت حياتها.
وحياة طفلها.
وزواجي.
وأسرار عائلة كاملة.
محصورة داخل علبة شوكولاتة بلون عاجي وشريط ذهبي.
سألت بصوت مرتجف
ماذا كان بداخلها؟
لم تجبني الشرطية فورًا.
تبادلت نظرة سريعة مع المحققة.
ثم قالت
المستشفى أبلغ عن حالة تسمم يُشتبه في ارتباطها بمادة خاضعة للرقابة.
وتابعت
ما زلنا ننتظر نتائج التحاليل النهائية.
شعرت بالغثيان.
وبصعوبة تمكنت من السؤال
هل ستكون نسرين بخير؟
أجابت
حالتها حرجة لكنها مستقرة حاليًا.
ثم أضافت
كما أن الأطباء يراقبون وضع الجنين بشكل مستمر.
كانت تلك الجملة الوحيدة التي منعتني من الانهيار.
أخرجت هاتفي فورًا.
واتصلت بعلي مرة أخرى.
هذه المرة أجاب.
بدا صوته وكأنه كان نائمًا.
أو يتظاهر بذلك.
قال
زهراء؟ أنا في اجتماع. ماذا حدث؟
وما إن سمعت الشرطية اسمه حتى أشارت بيدها طالبة مني تشغيل مكبر الصوت.
ففعلت.
سألت مباشرة
علي… هل أرسلت علبة شوكولاتة إلى المنزل؟
ساد صمت قصير.
صمت ربما لم أكن لألاحظه لو كنت وحدي.
لكنني لاحظته.
بوضوح.
ثم قال
شوكولاتة؟
لا.
عن ماذا تتحدثين؟
قلت
هناك بيانات شحن تحمل اسمك باعتبارك المرسل.
رد بسرعة
هذا مستحيل.
أنا في البصرة.
ابتلعت ريقي.
ثم قلت
نسرين في المستشفى.
لقد أكلت بعضًا منها.
وهنا…
لم يعد الصمت قصيرًا.
بل أصبح ثقيلًا إلى درجة خانقة.
سمعته يتنفس.
ثم سمعت صوت باب يُغلق في الجهة الأخرى.
وأخيرًا قال
نسرين أكلتها؟
تغير صوته بالطريقة نفسها التي تغير بها صوت أمينة.
ولم يكن يبدو متفاجئًا.
بل بدا خائفًا من وقوع خطأ ما.
رفعت الشرطية رأسها فورًا.
وشعرت بشيء داخلي ينهار.
سألته ببطء
ماذا كان داخل تلك الشوكولاتة يا علي؟
رد بعصبية
زهراء، لا تقولي كلامًا فارغًا.
ثم أضاف بسرعة
أعطيني عشر دقائق فقط وسأشرح كل شيء.
قلت بحدة
اشرح الآن.
لكن الخط انقطع.
أغلق الهاتف.
حدقت في الشاشة غير مصدقة.
بينما طلبت مني جهة التحقيق مرافقتهم للإدلاء بإفادة رسمية.
وقبل أن أغادر المنزل بدقائق، بدأ هاتفي يمتلئ برسائل أمينة.
في البداية كانت تتوسل.
لا تتحدثي مع أحد حتى يصل علي.
ثم تحولت الرسائل إلى أوامر.
لا تدخلي الشرطة في أمور العائلة.
ثم وصلت رسالة أخيرة.
رسالة حطمت آخر ما تبقى من صورة تلك العائلة في ذهني.
كتبت فيها
إذا قلتِ إنني أرسلت الشوكولاتة إليكِ، فسوف تدمرين حياة ابني.
ابنها.
وليس نسرين.
وليس الجنين.
ابنها فقط.
جلست في السيارة الرسمية في الطريق إلى المستشفى.
وأخذت أسترجع كل شيء.
كل مرة وصفتني فيها أمينة بالمبالغة.
وكل عشاء عائلي كان علي يضغط فيه على ركبتي تحت الطاولة كي أمنع نفسي من الرد عليها.
وكل مرة سمعت فيها العبارة نفسها
أمي هكذا بطبعها.
عبارة استُخدمت لسنوات طويلة لمسح آثار السموم التي كانت تتركها خلفها.
لكن هذه المرة…
لم يعد السم مجرد استعارة.
وصل علي إلى المستشفى في الليلة نفسها.
رغم أنه كان يؤكد قبل ساعات أنه موجود في البصرة ولن يتمكن من العودة قبل اليوم التالي.
لقد وصل بسرعة أكبر مما ينبغي.
بسرعة أثارت الشكوك.
فالمسافة بين البصرة وبغداد لم تكن تسمح بوصوله في ذلك الوقت، على الأقل ليس إذا كان قد غادر بالفعل من حيث ادعى.
كان يحمل حقيبة صغيرة على كتفه.
ولحيته غير حليقة.
وعيناه حمراوان من الإرهاق والتوتر.
وبدا وكأنه خرج لتوه من مكان قريب، لا من مدينة تبعد مئات الكيلومترات.
وما إن رآني أقف بجوار المحققة حتى توقف في مكانه.
لأول مرة منذ ست سنوات…
لم يقترب مني.
لم يحاول احتضاني.
ولم يسأل إن كنت بخير.
بل نظر مباشرة إلى أمه.
أما أمينة…
فخفضت بصرها نحو الأرض.
وكانت تلك الحركة وحدها أبلغ من أي اعتراف.
سألته
أين كنت يا علي؟
أجاب بسرعة
في البصرة.
قبل أن أتمكن من الرد، خرج مازن من باب قسم الطوارئ.
وكان الغضب واضحًا على وجهه.
وقال بصوت حاد
لا تكذب.
ثم أشار إليه بإصبعه وأضاف
قد تخسر نسرين طفلها بسبب العلبة التي أرسلتها.
شحب وجه علي.
وتراجع خطوة إلى الخلف.
ثم قال مرتبكًا
لم يكن من المفترض أن تصل إليها.
خرجت الجملة من فمه قبل أن ينتبه إلى معناها.
وسمعتها أنا.
وسمعتها المحققة.
وسمعها الجميع.
وفي تلك اللحظة…
انتهى كل شيء.
وفي تلك اللحظة…
انتهى كل شيء.
لم يعد زوجي ذلك الرجل الذي كان يدعي أنه لا يفهم تصرفات أمه.
ولم يعد ذلك الابن العاجز عن مواجهتها.
لقد أصبح جزءًا منها.
وجزءًا مما حدث.
ومع مرور الأيام، أخذت نتائج التحقيقات تظهر تباعًا.
فقد تبين أن علي هو من اشترى علبة الشوكولاتة باستخدام حسابه الشخصي.
بينما كُتبت البطاقة التي تحمل اسم أمينة داخل منزلها.
كما سلّم محل الشوكولاتة تسجيلات كاميرات المراقبة.
وأظهرت التسجيلات أمينة وهي تدخل إلى المحل حاملة كيسًا صغيرًا.
ثم تطلب التحدث مع إحدى الموظفات على انفراد.
لاحقًا، جرى استجواب الموظفة.
وكانت في حالة خوف شديد.
وقالت إن أمينة طلبت منها إضافة مادة معينة إلى
—
بعض قطع الشوكولاتة.
وزعمت أن الأمر مجرد مقلب عائلي.
لكن أحدًا لم يصدق تلك الرواية.
ثم جاء الاكتشاف الأخطر.
فقد تمكن المختصون من استعادة رسائل محذوفة من هاتف علي.
رسائل متبادلة بينه وبين والدته.
إحداها تقول
اجعلي الأمر يبدو وكأنه هدية لطيفة.
ورد عليها
لكنها لا تأكل السكريات يا أمي.
فأجابت
ستجرب قطعة واحدة على الأقل إذا وصلت بشكل جميل.
ثم رسالة أخرى أكثر رعبًا
نحتاج أن يرى الطبيب أزمة جديدة.
عندما قرأت تلك الكلمات…
فهمت الحقيقة كاملة.
لم يكونا يريدان قتلي.
على الأقل ليس بالطريقة المباشرة التي تخطر في الأذهان.
كانا يريدان إمراضي.
إرباكي.
وجعلي أبدو غير مستقرة نفسيًا أو صحيًا.
ثم استخدام ذلك ضدي لاحقًا.
وفجأة تذكرت أمرًا كنت أخفيه عن الجميع.
قبل شهرين تقريبًا…
كنت قد بدأت إجراءات فصل ذمتي المالية عن زوجي.
لم أخبر أمي.
ولا صديقاتي.
ولا حتى نسرين.
كنت قد اكتشفت تحويلات مالية غريبة من حساب مشترك.
واكتشفت ديونًا أخفاها علي عني لسنوات.
بل وجدت قرضًا سُجل باستخدام مستنداتي الشخصية دون علمي.
وكان ذلك الاكتشاف هو ما دفعني إلى استشارة محامية للمرة الأولى.
حينها لجأت سرًا إلى محامية.
ونصحتني بفصل الحسابات المالية وجمع الأدلة قبل مواجهته.
نفذت نصيحتها.
لكنني ارتكبت خطأ واحدًا.
تركت نسخة من الملف داخل سيارتي.
ويبدو أن علي عثر عليها.
ومنذ ذلك اليوم…
تغير كل شيء.
أصبح أكثر لطفًا.
وأكثر اهتمامًا بي.
وأكثر حرصًا على سؤالي عن صحتي وتوتري.
وفي الوقت نفسه…
بدأت أمينة تناديني فجأة
يا ابنتي.
الآن فقط فهمت السبب.
فلو انتهى بي الأمر في المستشفى بسبب أزمة صحية غامضة…
ولو امتلأت التقارير الطبية بإشارات إلى القلق والاضطراب والتوتر…
ولو وقف زوج مخلص بجواري يتحدث نيابة عني…
فقد يستطيع الادعاء أنني غير قادرة على اتخاذ قرارات مالية سليمة.
وقد يؤخر إجراءات الانفصال المالي.
ويحافظ على سيطرته على الحسابات.
ويقدم نفسه باعتباره الزوج الراعي والمخلص.
حينها أدركت الحقيقة المرة.
الأمر لم يكن مجرد احتقار.
ولم يكن مجرد كراهية.
بل كان خطة محسوبة بدقة منذ البداية.
استعادت نسرين وعيها بعد يومين.
ونجا الطفل.
كان ذلك الخبر كافيًا لينقذ شيئًا داخل كل من عرف بالق\ضية.
لكنه لم يُصلح شيئًا مما تحطم.
وعندما أصبحت قادرة على الكلام، طلبت مقابلة والدتها.
دخلت أمينة إلى غرفتها تحت حراسة الشرطة.
وكان يقف عند الباب أحد أفراد الأمن.
لم أكن حاضرة ذلك اللقاء.
لكن مازن أخبرني لاحقًا بما حدث.
قال إن نسرين لم تصرخ.
ولم تبكِ.
ولم تُهن والدتها.
اكتفت بسؤال واحد
هل كنتِ تعلمين أنها كانت مخصصة لزهراء؟
بدأت أمينة بالبكاء.
ثم اعترفت بصوت خافت
نعم.
عندها سألتها نسرين مرة أخرى
ولو أنني لم أتناولها أنا…
هل كنتِ ستنامين مرتاحة الضمير؟
لم تجب أمينة.
وكان صمتها هو الإجابة.
بعد ذلك، بدأ علي وأمينة يتبادلان الاتهامات.
حاول كل منهما إنقاذ نفسه على حساب الآخر.
قال علي إن والدته بالغت في الأمر.
وأنها لم تكن تريد سوى إخافتي.
وقالت أمينة إن ابنها طلب مساعدتها لأنه كان يخشى أن أخرب مستقبله ماليًا.
لكن المثير للانتباه…
أن أياً منهما لم يقل
أنا آسف يا زهراء.
لم يسألني أحدهما كيف نمت بعد أن اكتشفت أن الهدية التي وصلت إلى منزلي كانت فخًا أُعد لجسدي.
ولم يسألني أحدهما كيف عشت مع فكرة أن شخصين من عائلتي خططا لذلك.
عندها فقط توقفت عن انتظار الإنسانية ممن لم يعرفوها يومًا.
باشرت إجراءات الطلاق.
وطلبت أوامر حماية قانونية.
وسلمت محاميتي كل شيء.
الرسائل.
وكشوف الحسابات.
والتقارير الطبية.
وبيانات الشحن.
وشهادة الموظفة التي عملت في محل الشوكولاتة.
كما أدلى مازن بشهادته أيضًا.
رغم أنه كان يعلم أن ذلك سيقسم عائلته إلى الأبد.
وعندما خرجت نسرين من المستشفى، اتصلت بي.
كنت أظن أنها ستلومني.
فأنا أيضًا كنت ألوم نفسي لأنني أحضرت تلك العلبة إلى الحفل.
لكنها قالت بصوت متعب
أنتِ لم تجهزيها يا زهراء.
ثم أضافت
كنتِ ضحية مثلما كنت أنا.
بعد انتهاء المكالمة بكيت طويلًا.
لأن بعض الكلمات العادلة لا تصلح ما انكسر.
لكنها تمنعك من السقوط أكثر.
وبعد عدة أشهر، وضعت نسرين طفلها بسلام.
وأطلقت عليه اسم ياسين.
ذهبت لزيارتها في المستشفى.
وحملت معي كيسًا من الخبز الحلو.
دون أي شوكولاتة.
ابتسمت عندما رأتني.
ابتسامة صغيرة ومتعبة.
لكنها حقيقية.
كنا جميعًا مكسورين.
لكننا ما زلنا أحياء.
أما أمينة فلم تكن هناك.
وعلي أيضًا لم يكن هناك.
ولأول مرة…
لم أشعر أن غيابهما يشبه الهجر.
بل بدا وكأنه تطهير متأخر.
اليوم أدرك أن الاحتقار ليس دائمًا أسوأ ما يمكن أن يقدمه لك شخص ما.
أحيانًا يكون مجرد الطبقة الأولى لشيء أكثر ظلمة.
لسنوات طويلة ظننت أن أمينة كانت تكرهني لأنها لم ترغب بي زوجة لابنها.
لكنني اكتشفت لاحقًا أنها كانت تراني عقبة أمام مصالحها.
وأمام سيطرتها على ابنها الذي كانت مستعدة للتضحية بأي شخص من أجله.
وأمام الديون والأسرار التي كانت تخشى انكشافها.
أما علي…
ذلك الرجل الذي كان يطلب مني دائمًا ألا أدخل في صراع مع والدته…
فلم يكن ابنًا متعبًا يحاول الإصلاح بين الطرفين.
بل كان رجلًا مرتاحًا لفكرة أن تتسخ يدا والدته نيابة عنه.
لم تكن المشكلة يومًا في علبة الحلوى.
ولم تكن في المادة التي وُضعت داخلها.
بل في الأشخاص الذين جلسوا معي لسنوات حول المائدة نفسها، ثم اكتشفت أنهم كانوا يرونني عقبة يجب التخلص منها عندما تعارضت مصالحهم مع وجودي.
في النهاية، نجت نسرين.
ونجا طفلها.
وخرجت أنا من تلك العائلة أخيرًا.
أما الحقيقة الوحيدة التي بقيت معي، فهي أن بعض الابتسامات لا تخفي المحبة.
بل تخفي ما هو أخطر منها بكثير.




