أصبح الحنش الذي أربيه غريبًا في الأيام الأخيرة

أصبح الحنش الذي أربيه غريبًا في الأيام الأخيرة.
في الليلة الماضية، رفض الطعام فجأة.
ولم يكن هذا أكثر ما أخافني…
بل الشيء الذي يفعله كل ليلة.
كان يتمدد بطوله كاملًا بجواري أثناء النوم، مستقيمًا تمامًا، ويلتصق بجسدي كأنه يقيسه.
في البداية، كنت أضحك كلما استيقظت ووجدته هكذا.
كنت أقول في نفسي:
“يبدو أن ميمون اعتاد عليّ أكثر من اللازم.”
حتى إنني التقطت له صورة وأرسلتها إلى صديقي البيطري في الرباط لأتباهى به.
لكن بعد دقائق، وصلتني منه رسالة صوتية، وصوته يرتجف بطريقة غريبة:
“هل جننتِ؟! الحنش لا يفعل هذا من باب الألفة… إنه يقدّر حجمك! أبعديه عنك فورًا!”
ضحكت رغم القشعريرة التي مرّت في ظهري.
لم أكن أعلم وقتها…
أن نساء الحي كنّ على حق حين قلن بعد وفاة جدتي:
“حنش الدار لا يؤذي أحد… إلا إذا شعر بالخطر.”
اسمي غيثة.
أعيش وحدي في رياض قديم بمدينة فاس، بعد وفاة جدتي “لالة رقية” منذ أشهر قليلة.
حياتي بسيطة، تتكرر كل يوم بين عملي وعودتي إلى البيت.
أما الشيء الوحيد غير الطبيعي في حياتي…
فكان ميمون.
حنش أسود ضخم، ربّته جدتي منذ سنوات طويلة داخل البيت.
لا أعرف من أين جاء أصلًا.
كل ما أعرفه أنني منذ طفولتي كنت أراه ملتفًا قرب نافورة الفناء الداخلي، هادئًا كأنه جزء من الرياض نفسه.
الغريب أن أحدًا في الحي لم يطلب منا قت*له يومًا.
بل كانوا يتجنبون النظر إليه فقط.
وأذكر جيدًا ما قالته إحدى الجارات بعد جنازة جدتي:
“حنش الدار عمره ما يؤذي أهل البيت… إلا إذا سبقهم الخطر إليهم.”
لم أفهم كلامها حينها.
ظننته مجرد كلام عجائز فاس القديمة.
حتى اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء.
توقف ميمون عن الأكل.
حتى الدجاج الذي كان يلتهمه فورًا، صار يبتعد عنه.
وأصبح يخرج من الحوض الزجاجي وحده كل ليلة.
يزحف بصمت داخل غرفتي.
ثم يتمدد قرب سريري بطوله الكامل.
مستقيمًا.
تمامًا.
كأنه يقيس المسافة بين رأسي وقدمي.
في الليلة الأولى ضحكت.
وفي الثانية شعرت بالانزعاج.
أما في الثالثة…
فلم أستطع النوم.
ظللت مستلقية أحدق في سقف الغرفة، بينما أسمع صوت تنفسه البطيء قرب السرير.
كان البيت ساكنًا بشكل غريب.
حتى نافورة الفناء لم أعد أسمع صوت الماء فيها ليلًا.
وفوق ذلك كله…
بدأت رائحة بخور جدتي تعود إلى البيت.
جاوي.
وحرمل.
ولبان.
رغم أنني لم أشعل شيئًا.





