لمعاقبة صبيٍّ مشرّد سرق الطعام من مائدة الوالي الحبشي، أمر بإلقائه تحت أقدام فيلٍ حربي ضخم

أما الوالي…
فهبّ واقفًا بغضب.
خرافات!
ثم صرخ في الجنود:
أبعدوا الفيل واقتلوا الطفل حالًا!
تردّد الجنود.
لم يجرؤ أحد على الاقتراب.
اقترب أحدهم بحذر شديد، رافعًا رمحه نحو الصبي…
وفجأة أطلق الفيل صرخة هائلة دوّت في الساحة كلها.
ثم ضرب الأرض بقدمه الضخمة بعنف حتى تطاير الرمل على وجوه الجنود، فتراجعوا مذعورين.
تعالى صراخ الناس.
بعض النساء بدأن بالبكاء.
ورجال كثيرون أخذوا ينظرون إلى الوالي بكراهيةٍ لم يعودوا قادرين على إخفائها.
لأن الجميع رأى الحقيقة بنفسه:
حتى الوحش الضخم الذي استخدمه الوالي للقتل…
عرف الرحمة أكثر من الحاكم نفسه.
ازداد غضب الوالي، وانتزع سيفه من غمده وهو يصرخ:
إذا كان هذا الحيوان لن ينفّذ أمري… فسأقتلهما معًا!
لكن قبل أن يهبط من منصّته…
حدث ما لم يتوقعه أحد.
ركع الفيل فجأة أمام الطفل.
ثم لفّ خرطومه حول جسده الصغير برفق شديد، ورفعه فوق رأسه أمام الناس جميعًا.
ارتفعت شهقات الرعب والدهشة من المدرجات.
وكان الطفل يبكي فوق خرطوم الفيل، بينما الحيوان الضخم يطلق أصواتًا منخفضة تشبه الأنين.
وفي تلك اللحظة…
صرخ رجل من بين العامة:
كفى ظلمًا!
ثم تبعه آخر.
ثم آخر.
وخلال ثوانٍ قليلة تحوّلت الساحة كلها إلى فوضى.
بدأ الناس يصرخون ضد الوالي لأول مرة منذ سنوات.
الجنود أنفسهم تراجعوا مرتبكين.
وبعضهم أنزل رماحه ببطء، وكأنه لم يعد قادرًا على طاعة الظلم بعدما رآه بعينيه.
أما الوالي الحبشي…
فنظر حوله بصدمة حقيقية.
لأول مرة…
رأى الخوف في عيون نفسه، لا في عيون الناس.
وفي وسط الفوضى…
ظل الفيل واقفًا بثبات فوق الرمال، يحمي الطفل بجسده الضخم، كأنه يتذكّر جميل رجلٍ مات منذ سنوات…
ورفض أن يترك ابنه يموت وحده.
وفي ذلك اليوم…
فهم أهل الحجاز شيئًا لم ينسوه أبدًا.
أن الرحمة لا تُقاس بالقوة…
وأن القلوب القاسية قد تسكن صدور الملوك، بينما تسكن الإنسانية قلب حيوانٍ لا يتكلم.
وتناقل الناس الحكاية سنواتٍ طويلة بعد ذلك.
قالوا إن الفيل لم ينسَ يد الرجل الفقير التي أنقذته من النار وهو صغير…
بينما نسي الوالي أن الجوع قد يدفع طفلًا لسرقة كسرة خبز، لا لأنه لصّ… بل لأنه جائع.
وقال الشيوخ لأبنائهم بعدها:
“من يصنع الخير يومًا… قد يعود إليه بعد سنواتٍ من حيث لا يحتسب.”
وقال آخرون:
“الظلم قد يُخيف الناس وقتًا طويلًا… لكنه لا يستطيع أن يقتل الرحمة من القلوب.”



