أمضت أمي ثماني سنوات تبكي أمام قبر أخي

نظر إلى الطرد… ثم رفع عينيه إليّ.
يداه بدأتا ترتجفان.

سحب الطرد بسرعة ووضعه إلى جانبه دون أن يعلّق.

ثم اعتدل قليلًا ومرّر علبة حليب على الجهاز، كأنه يحاول أن يبدو طبيعيًا.

قال:
“مساء الخير…”
بصوتٍ مكسور.

لم أستطع الرد..قلت فقط:
“مصعب.”

تجمّد.
لم يُنكر لم يتظاهر.

بل ابتلع ريقه وقال بصوتٍ منخفض:
“لا تفتعل مشهدًا.”

امتلأت عيناي بالدموع وقلت:
“نحن دفنّاك.”

أغلق عينيه لثانية كأن تلك الكلمات تؤلمه ثم انحنى نحوي قليلًا وهمس:

“لا تُخبر أبي أنك وجدتني.”

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

قلت بصوت مرتجف:

“ماذا؟”

قال:

“أرجوك أخبر أمي… نعم. لكن ليس هو.”

لم أفهم شيئًا.

أخي الذي دفنّاه يقف أمامي… حيّ ويطلب مني أن أخفي ذلك عن أبي.

“أين كنت؟” سألت بصعوبة.

هزّ رأسه:

“ليس هنا وليس الآن.”

أخذ بعض النقود من الدرج ومدّها إليّ كأنها ثمن الطرد، دون أن ينظر في عيني.

لكن قبل أن ألتقطها، دسّ ورقة صغيرة مطوية مع الإيصال في يدي…

وهمس:
“تأكّد… أن لا أحد يتبعك.”

خرجتُ… وأنا أرتجف.

لا أتذكر كيف وصلت إلى السيارة.

أغلقت الأبواب بسرعة… وفتحت الورقة بيدين مرتعشتين.

كان مكتوبًا عنوان فقط:

حي الديوم الشرقية – شارع 17 – منزل 12 – الساعة 11:30 مساءً

وفي الأسفل… جملة واحدة:

“إذا عرف أبي قبل أن تسمعني… ستكون أمي في خطر.”

لم أتحرك فورًا، بل أجبرت نفسي على التنفّس ببطء، وعددت حتى عشرة، ثم مسحت دموعي بظهر يدي. كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة وإحدى عشرة دقيقة، والعنوان الذي كتبه لي في حي الديوم الشرقية لا يبعد أكثر من عشرين دقيقة.

كان بإمكاني العودة إلى المنزل… إيقاظ أمي، وإخبارها أن مصعب حيّ، ورؤية انهيارها من جديد… لكن هذه المرة بشكل مختلف.

وكان بإمكاني أيضًا الاتصال بأبي… الذي غالبًا ما يكون في مكتبه في مثل هذا الوقت، أو في إحدى رحلاته التي لم يشرحها لنا يومًا.

لكن الجملة التي كتبها مصعب ظلت عالقة في رأسي:
“إذا عرف أبي قبل أن تسمعني… ستكون أمي في خطر.”

أدرت المحرك وانطلقت.

طوال الطريق كنت أراقب المرآة الخلفية كما طلب، كل ضوء سيارة كان يبدو مريبًا، وكل مركبة متوقفة توحي بأنها تراقبني.

لم تكن بحري مخيفة في الليل من قبل… لكن في تلك الليلة شعرت أنها تتابعني خطوة بخطوة.

مررت بأحياء شبه نائمة، وشوارع ضيقة، وكلاب نحيلة تعبث بأكياس القمامة… حتى وصلت قبل الموعد بدقيقة واحدة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *